مزرعة غلبانة

لمحة نيوز

مريم كلماتها، كان الزوجان قد غادرا المنزل بخطوات ثابتة نحو السيارة التي كانت تنتظرهما عند أول الطريق الإسفلتيوالتي لم تكن عاطلة كما ظنت مريم، بل كانت تنتظر إشارة منهما.
بداية المعركة زراعة الأمل
لم يكن أمام مريم وقت للدهشة؛ فالوقت يمر سريعًا ورجب السيوفي يتربص بها. نظرت إلى الصندوق الخشبي القديم وإلى أوراق التقاوي المخزنة. قررت ألا تستسلم للأسمدة الكيماوية التي حرمها رجب منها. تذكرت طريقة والدها القديمة في صناعة السماد العضوي الكمبوست من مخلفات المزرعة وقش الأرز والسماد البلدي.
بمساعدة عم سيدالذي رفض أن يتركها وحدها رغم تهديدات رجببدأت مريم تعمل من الفجر حتى هبوط الليل. كانت تعزق الأرض، وتجهز المشاتل الصغيرة، وتزرع بذور الطماطم والجزر والجرجير والخس بخطوات دقيقة كأنها تزرع روحها في التراب.
مرت أسابيع الشهر الثقيلة. كان رجب السيوفي يمر بعربيته الفارهة كل بضعة أيام، ينظر إلى الأرض ويسخر من محاولاتها
بتتأقلمي مع وضعك الجديد يا مريم؟ اتعبي اتعبي.. عشان المشتري الجديد يستلم الأرض جاهزة ومزروعة!
لم تكن تجيبه، بل كانت تواصل العمل، والمفاجأة أن التقاوي القديمة التي أصلحها والدها كانت من أصناف نادرة ممتازة؛ نمت بسرعة الصاروخ، واكتست الأرض بالخضرة

الداكنة التي تلفت الأبصار، ورائحة الخضار الطبيعي الفواحة ملأت القرية.
المزاد الشرس
جاء اليوم الموعود. انتهى الشهر، ولم تستطع مريم توفير كامل مبلغ الدين والفوايد المركبة التي فرضها رجب. تجمع أهل القرية، وتجار الأراضي، ورجال أعمال جاءوا من خارج الفيوم أمام مقر جلسات المزايدة والمحكمة.
وقف رجب السيوفي وسط رجاله يرتدي جلبابه الفاخر، والابتسامة لا تفارق وجهه. كان يقدم أوراق نقل الدين ويتأهب لإغلاق المزاد لصالحه بأقل سعر ممكن، ليستولي على ال 25 فدانًا بكسور قيمتها الحقيقية.
جلس الخبير الثمين ونادى المنادي
المزاد المفتوح على الأرض الزراعية المحددة بالقطعة رقم 402، البالغ مساحتها 25 فدانًا، لسداد الدين المسجل لصالح السيد رجب السيوفي! نبدأ المزاد بمليون جنيه!
رفع رجب إبهامه بثقة وقال
مليون و ألف.
ساد الصمت بين الحضور؛ فجميع تجار القرية كانوا يخشون نفوذ رجب ولا يستجرؤون على المزايدة أمامه.
وقف المنادي
مليون و ألف.. حد يزود؟ مليون و ألف للمرة الأولى.. مليون و ألف للمرة التانية...
كانت مريم تقف في آخر القاعة، ترتدي عباءتها السوداء، وتعتصر شالها بين يديها والدموع محبوسة في عينيها. كانت ترى أرض أبائها وأجدادها تضيع أمام عينها في لحظات.
وفجأة.. رن صوت جهوري وثابت من قاع القاعة
3 ملايين جنيه!
التفت الجميع في ذهول، وشخصت أبصار الحاضرين نحو مصدر الصوت. كان رجلاً مسنًا يرتدي بدلة أنيقة يتكئ على عصاه، وجواره سيدة فاضلة الوقار يكسو وجهها.
إنهما الحاج حسن والحاجة فاطمة!
ارتفعت حواجب رجب السيوفي وغضب بحدة
إيه التهريج ده؟! مين دول؟ المزاد ده للناس الجادين اللي معاهم سيولة ونقدية مش للشحاتين!
وقف الحاج حسن بكل ثبات وتقدم نحو منصة المزاد، وأخرج من حقيبته الجلدية الشيك البنكي المعتمد وأبرزه لرئيس الجلسة
الشيك ده مقبول الدفع وموثق من البنك الأهلي المصري باسم المحكمة. ونحن جاهزون للمزايدة.
اشتعلت القاعة بالهمسات والدهشة. نظر رجب إلى الحاج حسن بغضب مكتوم وصرخ
3 ملايين ونص!
رد الحاج حسن دون أن يطرف له جفن
5 ملايين جنيه!
ساد الذهول. المبلغ تجاوز القيمة السوقية للديون بكثير، ووصل لسعر الأرض الأصلي قبل الأزمة. اصفرّ وجه رجب، وحاول أن يرفع السعر مجددًا
5 ملايين و ألف!
رد الحاج حسن بهدوء قاتل
7 ملايين جنيه!
جلس رجب مذهولاً لا يستطيع النطق. ضرب رئيس الجلسة بصلجته على الطاولة
7 ملايين جنيه للمرة الأولى.. 7 ملايين للمرة الثانية.. 7 ملايين للمرة الثالثة! مبروك للحاج حسن إبراهيم شراء الأرض وتصفية كافة الديون المتعلقة بها!
الحقيقة الغائبة
انتهت الجلسة وسط صدمة رجب وذهول أهل القرية. وقفت مريم مكانها لا تفهم شيئًا. الرجل وزوجته اللذان أطعمتهما في ليلة مطر وقاسمتهم عشاءها، اشتريا أرضها ب 7 ملايين جنيه!
اقترب الحاج حسن والحاجة فاطمة من مريم. التقت أعينهم، وفي تلك اللحظة أخرج الحاج حسن من جيبه الملف البني القديم الذي أخرجه في تلك الليلة الماطرة، وقدمه لمريم.
أظن جه الوقت يا مريم عشان تعرفي الحقيقة.. وتعرفي إحنا مين.
فتحت مريم الملف بيدين ترتجفان. أخرجت الصورة القديمة؛ كانت لوالدها الرحال عبدالرحمن وبجواره الحاج حسن وهما في شبابهم، وعلى الجانب الآخر صورة ل رجب السيوفي.
قال الحاج حسن بنبرة ملؤها الأسى والحنين
أبوكِ عبدالرحمن الله يرحمه.. كان أقرب صديق ليا وشريكي في بدايتنا زمان. ومن 30 سنة، رجب السيوفي ده اللي كان ساعتها شاب شغال معانا خان الأمانة وسرق أوراق ومبالغ مالية كبيرة وتسبب في إفلاس شركتنا وسجنّي في قضية تزوير هو اللي دبرها لي!
تجمعت الدموع في عين الحاج حسن وواصل
أبوكِ عبدالرحمن عمل كل اللي يقدر عليه عشان يثبت براءتي، لكنه ما قدرش. وبسبب حزنه عليا وتأنيب الضمير، اعتزل التجارة واشترى الأرض دي في الفيوم وعاش فيها بعيد عن قرف الدنيا. وأنا بعد ما خرجت وسافرت برة مصر، ربنا فتحها عليا وكبرت تجارتي، بس فضلت طول السنين دي أدور على حقنا وعلى شريكي اللي قطعت أخباره.. لحد ما عرفت إنه اتوفى وأن أرضه مهددة بالبيع على إيد نفس الشخص اللي دمر حياتنا زمان رجب السيوفي!
أكملت الحاجة فاطمة وهي تحتضن مريم
لما جينا لك في ليلة المطر، ما كناش ضايعين يا مريم.. إحنا كنا جايين نشوف بنة عبدالرحمن. كنا عايزين نعرف هل الأيام غيرتك؟
تم نسخ الرابط