رواية كامله

لمحة نيوز

عن السفر.
أو الشغل.
أو يضحك على أي موقف.
المهم...
ما يردش.
ولا مرة.
ولا حتى على سؤال واحد مباشر.
وده...
خلى الشك يكبر جواه أكتر.
لكن...
كان في حاجة تانية لفتت انتباهه.
طول القعدة...
كان حازم يبص كل شوية ناحية دولاب خشب قديم...
واقف في طرقة البيت.
نظرات سريعة...
ومتكررة.
كأنه بيتأكد...
إن حاجة معينة...
لسه مكانها.
تبع ياسين نظراته.
وفي آخر رف داخل الدولاب...
كان فيه صندوق خشب صغير...
مغطي بطبقة تراب...
ومتربط بعناية بشريط أزرق فاتح.
ومن أول ما وقعت عينه عليه...
حس...
إن كل الإجابات اللي بيدور عليها...
مستخبية جواه.
في وقت متأخر من الليل...
بعد ما البيت كله نام...
خرج ياسين من أوضته بهدوء.
خطواته كانت بطيئة...
علشان ما يصحيش حد.
وقف قدام الدولاب الخشب القديم.
ومد إيده...
وفك الشريط الأزرق بعناية.
ثم فتح الصندوق.
في اللحظة دي...
حبس نفسه.
الصندوق...
كان مليان خطابات.
عشرات الخطابات.
كل خطاب...
متكتب عليه اسمه.
ياسين.
وكل توقيع في آخر الورقة...
كان نسخة شبه مطابقة لتوقيعه الحقيقي.
بدأ يقلب فيهم واحد ورا التاني.
ومع كل سطر...
قلبه كان بينقبض أكتر.
كل الخطابات...
كانت بتحكي نفس الكذبة.
إنه خسر كل فلوسه.
وإن شركته أعلنت إفلاسها.
وإنه بقى بالكاد يعرف يصرف على نفسه.
وإنه مش قادر يزورهم...
ولا حتى يرد على مكالماتهم.
وكان في آخر كل خطاب...
رجاء واحد متكرر
أرجوكم... ما تحاولوش تتصلوا بيا تاني.
أنا مش قادر أتحمل أي ضغوط دلوقتي.
إيد ياسين بدأت ترتعش.
رفع الخطابات كلها...
فلقى ورقة تانية مستخبية تحتها.
كانت...
كشف حساب بنكي.
لكن أول سطر فيه...
خلّى قلبه يقف.
تفويض بإدارة الحساب.
نزل بعينه على الاسم المكتوب تحت.
واتجمد مكانه.
الشخص المفوض بالتصرف في الحساب هو
حازم...
المنصوري.
في اللحظة دي بالضبط...
صدر صوت خفيف وراه.
صوت خشبة...
بتئن تحت وزن حد واقف.
لف ياسين بسرعة.
كان حازم واقف في ضلمة الطرقة.
وشه...
كان شاحب بطريقة مخيفة.
وفي إيده...
مفتاح نحاس صغير.
كان ماسكه بقوة...
لدرجة إن مفاصل صوابعه كلها ابيضّت.
فضلوا يبصوا لبعض...
ثواني طويلة...
لحد ما حازم كسر الصمت.
وقال بصوت بارد...
خالي من أي مشاعر
اقفل الصندوق.
حالًا.
وسكت لحظة...
قبل ما يكمل وهو مثبت عينه في أخوه
في حاجات جوه...
لو أبويا وأمي عرفوها...
عمرهم ما هيستحملوا

الحقيقة.
اقفل الصندوق.
كررها حازم للمرة التانية.
لكن المرة دي...
كان صوته أخطر.
حالًا.
ما اتحركش ياسين.
فضل ماسك كشف الحساب بإيده...
وبص لأخوه نظرة عمره ما بصهاله قبل كده.
وقال بهدوء
أنت سرقتهم.
ابتسم حازم...
ابتسامة باهتة.
وقال
إنت مش فاهم.
أنا أنقذتهم.
ضحك ياسين...
ضحكة قصيرة كلها مرارة.
أنقذتهم؟
من إيه؟
من الدوا؟
ولا من الأكل؟
ولا من البرد اللي هما عايشين فيه؟
سكت حازم.
لكن عينيه...
ما اهتزوش.
قال
إنت عمرك ما كنت هنا.
أنا اللي كنت بشوفهم كل يوم.
أنا اللي كنت شايل المسؤولية.
قرب منه ياسين خطوة.
ورفع كشف الحساب قدام وشه.
المسؤولية؟
ولا خمسة وتلاتين ألف دولار كل شهر؟
وش حازم شد.
لأول مرة...
اتكسرت ثقته.
لكنها رجعت بسرعة.
وقال
أيوه.
أنا خدت الفلوس.
الكلمة نزلت...
زي الړصاصة.
لكن اللي جه بعدها...
كان أسوأ.
وأنا مش ندمان.
اتجمد ياسين.
إيه؟
قالها حازم وهو بيقرب هو كمان.
أبوك وأمك كانوا هيصرفوا الفلوس كلها.
كل شهر كنت تبعت مبلغ أكبر من اللي قبله.
وأنا...
استثمرتها.
اشتريت أراضي.
ودخلت مشاريع.
كنت هكبرها.
وفي الآخر...
كلنا كنا هنعيش ملوك.
صړخ ياسين
إنت سيبتهم يجوعوا!
سيبت أبوك يمشي بعصاية متربطة بلاصق!
وأمي تلبس اتنين بلوفر علشان البرد!
هنا...
لأول مرة...
زعق حازم.
لأنهم كانوا بيرفضوا ياخدوا مني جنيه!
كل ما أديهم فلوس...
يقولوا دي فلوس ياسين.
كنت أقولهم إنها مني...
يرفضوا.
فسيبتهم.
علشان يقتنعوا.
ساد صمت...
مرعب.
بص ياسين لأخوه...
وكأنه لأول مرة في حياته...
شايفه على حقيقته.
الفلوس...
ما كانتش هدفه.
الجشع...
كان أكبر من الفلوس.
كان عايز يثبت...
إنه أهم من أخوه.
وفجأة...
خرج صوت من آخر الطرقة.
صوت ارتطام عصاية بالأرض.
الاخوين لفوا في نفس اللحظة.
كان سامي واقف.
وراه...
تهاني.
ملامحهم كانت شاحبة.
واضح إنهم سمعوا...
كل كلمة.
وقعت العصاية من إيد سامي.
وبص لابنه الكبير...
وعينيه مليانة دموع.
وقال بصوت مكسور...
يعني...
كل السنين دي...
إحنا كنا جعانين...
بسببك؟
وساعتها...
عرف حازم...
إن اللعبة انتهت.
لكن اللي محدش منهم كان يعرفه...
إن في مفاجأة أخطر...
كانت لسه مستنياهم الصبح.
حازم...
نطق سامي اسمه بصعوبة.
كأن الكلمة نفسها كانت ۏجع.
قول إنهم كدابين.
قول إني فهمت غلط.
قول أي حاجة...
لكن حازم...
ما ردش.
نزل عينه في الأرض.
وده...
كان أسوأ اعتراف ممكن.
تهاني حطت إيديها على قلبها.
كانت بتتنفس بسرعة.
وهي بتبص لابنها اللي كانت فاكرة إنه سندها.
يعني...
كل مرة كنت أقولك إحنا محتاجين دوا...
كنت تقولي استحملوا شوية...
وإنت معاك فلوس ياسين كلها؟
بدأت دموعها تنزل.
كنت بسيب نص الجرعة...
علشان الدوا يكفينا آخر الشهر.
وأبوك...
كان بېكذب عليا ويقول إنه كويس...
علشان ما نشتريش دوا زيادة.
لفت ناحية ياسين.
وبدأت ټعيط أكتر.
وأنا...
كنت بدعيلك كل ليلة.
وأقول يا رب فك كرب ابني.
يا رب وسع عليه.
وأنت...
كنت بتبعتلنا كل حاجة.
واحنا...
ولا كنا عارفين.
انهار سامي على الكرسي.
بص لحازم...
وقال جملة قطعت قلب ياسين
أنا ربيتك راجل.
إمتى بقيت حرامي؟
رفع حازم رأسه بعصبية.
أنا مش حرامي!
أنا استثمرت الفلوس!
كنت هرجعهالكم.
صړخ ياسين
بعد ما تموتوا؟!
بعد ما أمي ټموت من البرد؟!
ولا بعد ما أبويا يقع من غير دوا؟!
فقد حازم أعصابه.
كفاية!
إنت طول عمرك المفضل!
من وإحنا صغيرين!
كل حاجة ليك!
كل فخر ليك!
وأنا؟!
كنت مجرد الابن الكبير اللي محدش بيشوفه.
اتسعت عينا سامي.
عشان كده...
سړقت أخوك؟
ضحك حازم بمرارة.
أنا ما سرقتوش.
أنا أخدت حقي.
في اللحظة دي...
رن جرس الباب.
الجميع سكت.
بص ياسين من الشباك.
واتجمد.
قدام البيت...
كانت واقفة عربية شرطة.
ورجلين لابسين بدلات رسمية.
أول ما فتح الباب...
طلع أحدهم بطاقة وقال
الأستاذ حازم المنصوري؟
رد حازم بصوت متوتر
أيوه.
قال الضابط
معانا أمر من النيابة بالقبض عليك...
پتهمة الاستيلاء على أموال وتحويلات بنكية، والتزوير، وخېانة الأمانة.
اتلفت حازم بسرعة ناحية ياسين.
إنت بلغت عني؟!
رد ياسين بهدوء
لأ.
أنا لسه ما عملتش حاجة.
سكت لحظة...
ثم بص على الضابط باستغراب.
الضابط قال
البلاغ مش من أخوك.
البلاغ وصلنا من البنك.
من شهرين.
لكن التحقيقات كانت مستمرة في سرية.
وأضاف وهو يطلع ملفًا سميكًا
وأنت مش متهم بسړقة تحويلات أخوك بس...
إحنا اكتشفنا تحويلات مشابهة تخص أربع أسر كبار سن تانيين.
يبدو...
إن دي مش أول مرة.
في اللحظة دي...
عرف ياسين إن الحقيقة...
كانت أبشع بكتير...
من اللي كان متخيله.
وقف حازم مكانه...
وكأن الزمن اتجمد.
إنتوا غلطانين.
قالها بسرعة.
دي فلوسي.
لكن الضابط فتح الملف...
وأخرج مجموعة صور.
تعرف الراجل ده؟
بص حازم.
وشه اتغير.
كان رجل عجوز.
وده؟
صورة لسيدة مسنة.
ثم الثالثة...
ثم الرابعة.
قال الضابط
الأربعة دول كانوا بيوكلوك توكيل رسمي تستلم معاشاتهم وتحويلاتهم.
وأنت...
كنت بتديهم الفتات.
وتاخد الباقي لنفسك.
شهقت تهاني.
حطت إيديها على بؤها.
يا نهار
تم نسخ الرابط