جوزي كلمني وقالي تعالي

لمحة نيوز

اللي اتكلم بيها قلقتني جداً.
وائل، أنت كويس؟ فيه إيه؟
صوته طلع ناشف وبعيد، كأنه بيكلمني من ورا جبل
تعالي يا نورا.. أرجوكي.
وقفل السكة.
فضلت واقفة مكاني باصة لشاشة الموبايل، وابني عمال يخبط بالمعلقة على الرخامة ويضحك على مفيش. فجأة المطبخ بقى برد، رغم إن الشمس لسه مالية المكان. حاولت أقنع نفسي إني مكبرة الموضوع، وفوزية هانم طول عمرها بتموت في اجتماعات العيلة الدرامية وبتحب تعمل من الحبة قبة.
على المغرب، لبست ياسين قميصه الأخضر اللي بيحبه، وسرحت له شعره الناعم، ولبست فستان صيفي هادي.. بس قلبي كان مقبوض.
أول ما دخلت شارع بيت حماتي، بطني وجعتني فوراً.
كل عربيات العيلة كانت مركونة بره!
عربية أخوه..
عربية عمته..
عربية ابن عمه..
حتى عربية جده القديمة.
محدش بيتجمع كدة عشان عشا.. دول متجمعين عشان محاكمة.
أوضة مليانة وشوش ساكتة
فوزية هانم فتحت الباب قبل ما أخبط حتى.
ما حضنتنيش.
ما سألتش عن ياسين.
رجعت خطوة لورا وقالت ببرود ادخلي.
ريحة البيت كانت خشب ملمع وشمع غالي، بس كان فيه ريحة تانية عارفاها كويس.. ريحة توتر تقيل لدرجة إنه بيتحس. الكلام انقطع أول ما دخلت الصالون.
كل القرايب كانوا قاعدين في نص دايرة باصين لنص الأوضة، وفجأة فهمت ليه قلبي كان بيدق بسرعة من ساعة المكالمة.
ده مكنش عشا.. ده كان كمين.
ياسين بدأ يقلق على كتفي، حس بالجو المشحون رغم إنه مش فاهم حاجة. وائل كان واقف جنب الدفاية، حاطط إيده في جيبه، ومش راضي يحط عينه في عيني أبداً.
وده رعبني أكتر من أي حاجة تانية.
مشى ناحيتي وهو ماسك ظرف أبيض.
حركته كانت مخشبة، كأنه حافظ الدور اللي هيعمله.
ومن غير ولا كلمة، حدف في إيدي الورق اللي جوه الظرف.
أنا فاكرة إني فضلت باصة للوجو شعار شركة التحاليل قبل ما عقلي يستوعب المكتوب تحتها. إيدي بدأت ترتعش لدرجة إن الورق كان بيعمل صوت في وسط السكون القاتل اللي في الأوضة.
احتمالية الأبوة 0.
لثانية واحدة، عقلي رفض يفهم. وبعدين وائل نطق
الولد ده مش ابني.
صوته مكنش عالي.. وده اللي خلاه يوجع أكتر.
بصيت له وأنا مستنية منه غضب، حزن، وجع قلب.. أي حاجة بشرية! بس وشه كان خالي من أي مشاعر،
نَفَسي كان بيتقطع أكيد فيه غلط.. مستحيل!
محدش رد.
فوزية هانم قامت ببطء من مكانها، كانت بمنتهى الشياكة بقماش الحرير واللولي، وشاورت بصباعها عليا وقالت بمنتهى القسوة
أنتي أهنتي العيلة دي بما فيه الكفاية.. خدي ابنك واطلعي بره بيتي!
وقفتُ في وسط الصالون، والأرض تميد بي. الولد ده مش ابني.. الكلمة كانت تتردد في أذني كصرخات في وادٍ سحيق. نظرتُ إلى ياسين، طفلي ذو الثلاث سنوات، الذي بدأ يتمسك بطرف فستاني بذعر، وعيناه الصغيرتان تتنقلان بين الوجوه الغاضبة والباردة من حوله.
وائل.. إنت واعي للي بتقوله؟ سألتُ بصوت مخنوق، محاولةً استعادة توازني. إنت عارفني كويس، وعارف إن حياتي بدأت وانتهت عندك. إزاي الورقة دي طلعت؟ ومين اللي عملها؟
وائل لم ينظر إليّ، ظل يشيح بوجهه بعيداً وهو يطبق قبضته بقوة.
الورق ما بيعرفش المشاعر يا نورا، رد ببرود قاتل. التحليل اتعمل في أكبر معمل، والنتيجة واضحة زي الشمس. أنا مش أبوه.. يعني طول السنين دي كنت عايش في كدبة.
فوزية هانم، حماتي، اقتربت مني بخطوات واثقة، وصوت مجوهراتها يرتطم ببعضه محدثاً رنيناً مستفزاً.
كفاية تمثيل بقى، قالت وهي ترفع حاجبها. إحنا عيلة الألفي، اسمنا ما يتلوثش. خدي الولد ده واخرجي من حياتنا بستر ربنا، وإلا الورقة دي هتتوزع على الكل.
في تلك اللحظة، وبينما كنتُ ألملم شتات نفسي لأدافع عن شرفي الذي طُعن في مقتل، انفتح باب الصالون بقوة لم تكن متوقعة. دخل رجل يرتدي حلة رسمية وقورة، يبدو في أواخر الخمسينيات من عمره، يحمل حقيبة جلدية سوداء ووجهه يحمل صرامة جعلت الجميع يصمت فوراً.
كان هذا هو الدكتور رفعت المنشاوي، طبيب العائلة القديم الذي هاجر إلى لندن منذ أكثر من عشرين عاماً، ولم يره أحد منذ جنازة والد وائل.
يا جماعة، مفيش داعي للدراما الزيادة دي، قال الدكتور رفعت بصوت هادئ ومزلزل في آن واحد.
فوزية هانم تجمدت مكانها، وشحب وجهها لدرجة غريبة.
رفعت؟ إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟ سألت بتوتر حاولت إخفاءه خلف نبرة حادة.
الدكتور رفعت لم يرد عليها، بل توجه مباشرة نحو وائل الذي كان ينظر إليه بذهول.
وائل يا ابني، أنا شفت نتيجة التحليل اللي بعتتهولي

والدتك على الإيميل عشان أستشير معمل لندن فيه.. والنتيجة فعلاً صحيحة طبياً، أنت مش الأب البيولوجي لياسين.
شهقة جماعية هزت الأوضة. شعرتُ بالدوار، وكدتُ أسقط لولا أنني استندتُ على حافة الأريكة.
شفتوا؟ صرخت فوزية هانم بانتصار. الدكتور رفعت أكد الحقيقة! اطلعي بره يا نورا!
استني يا فوزية، أنا لسه مخلصتش كلامي، قال الدكتور رفعت وهو يفتح حقيبته ويخرج منها ملفاً طبياً قديماً ومصفراً.
نظر إلى وائل بأسى وأكمل
التحليل صح يا وائل، أنت مش أبوه ل ياسين.. لأنك ببساطة يا وائل، إنت مش ابن عيلة الألفي أصلاً!
سقطت الكلمة كالقنبلة النووية في وسط الصالون. وائل تراجع للخلف، وعمته صرخت بذهول، أما فوزية هانم فقد انهارت على الكرسي وهي تلهث.
الدكتور رفعت تابع بصوت واضح من ٣٢ سنة، فوزية هانم فقدت جنينها في الشهر السابع، ولأنها كانت خايفة من تهديدات جوزها الله يرحمه إنه هيتجوز عليها لو مخلفش وريث، اتفقت معايا للأسف إني أبدل طفلها الميت بطفل تاني من الملجأ.. والطفل
تم نسخ الرابط