سرق الخزنة

لمحة نيوز

تخذل بعضها مرة أخرى.
في أحد أيام الأحد، أخذتني زهراء إلى بعقوبة.
كان حسن مدفونًا في مقبرة بسيطة عند أطراف المدينة. وعلى شاهد قبره كانت مكتوبة عبارة
حسن العاني. أب محبوب.
لا شيء أكثر.
ابتعدت زهراء قليلًا لتتركني وحدي.
وقفت أمام القبر لا أعرف ماذا أقول. كنت قد تخيلت هذا اللقاء لسنوات، لكنه كان دائمًا مع حسن حيًا، ويدي مرفوعة لأعاتبه، وصوتي ممتلئًا بالغضب.
أما الآن، فلم يكن هناك سوى حجر.
قرأت رسالتك قلت.
حرّكت الريح بعض الزهور الجافة على قبر قريب.
عرفت ما حدث. أفهم أنك خفت. أفهم أنك أردت حمايتنا. لكن كان يجب أن تعود. كان يجب أن تتكلم. أبوك مات وهو يظن أنك احتقرته.
ارتجف صوتي.
وأنا أيضًا متّ قليلًا في ذلك اليوم.
انحنيت ومسحت التراب عن اسمه.
لا أعرف إن كنت أسامحك يا حسن. لا أعرف إن كانت هذه الكلمة تكفي. لكنني أقبل حقيقتك. أقبل ذنبك. أقبل أنك حاولت أن تعيد ما سرقته، رغم أنك لم تستطع أبدًا أن تعيد لنا السنوات.
أخرجت ساعة أبو أحمد من حقيبتي. كنت قد أحضرتها معي.
لم أتركها هناك.
فقط أريتها له.
أبوك كان يحبك كثيرًا. وأنت ربيت بنتًا طيبة. وهذا أيضًا يُحسب لك.
بكيت.
لم يكن بكائي مثل يوم مات أبو أحمد. ولا مثل يوم بعت المطعم. كان بكاءً آخر. بكاءً متعبًا، قديمًا، ممتلئًا بأشياء مختلطة غضب، حب، حزن، وراحة.
اقتربت زهراء واحتضنتني من الخلف.
هذه المرة لم أبتعد.
بعد أشهر، بدأ بيتي يمتلئ بالحياة.
كانت زهراء تأتي كل أسبوعين أو ثلاثة. أحيانًا تنام في الغرفة التي جهزتها لها. كنا نطبخ معًا. علمتها أن تصنع الدولمة كما كان أبو أحمد يحبها، بلا استعجال، وبصبر طويل مع كل ورقة عنب وكل حبة باذنجان.
وصنعنا أيضًا الكبة.
كانت تفرد العجين بحذر، مركزة كأنها تجري عملية دقيقة.
هكذا، جدتي؟
فاجأتني الكلمة.
جدتي.
لم ينادني أحد بهذه الكلمة من قبل.
نظرت إليها ويداي مغطاتان بالعجين، وشعرها مربوط كما كان يوم طرقت بابي.
هكذا ممتاز قلت كان جدك سيقول إن يدك طيبة في الطبخ.
ابتسمت زهراء.
وفي تلك الابتسامة رأيت أبو أحمد.
ورأيت حسن قبل الخوف.
ورأيت نفسي قبل أن أقسو.
لا، الحقيقة لم تصلح كل شيء.
لم تُعد المطعم.
ولم تمحُ الليالي التي تناولت فيها خبزًا يابسًا لأن المال لم يكن يكفي لغيره.
ولم تمنح أبو أحمد فرصة أن يسمع ابنه وهو يشرح ما لا يمكن تفسيره.
لكن الحقيقة فتحت بابًا.
ومن ذلك الباب دخلت زهراء.
أحيانًا أفكر أن العائلة لا تنكسر مرة واحدة. تنكسر على قطع صغيرة كذبة، غياب، مكالمة لم تُجرَ، ورسالة تأخرت أكثر مما ينبغي.
وربما تُصلح أيضًا بالطريقة نفسها.
بحفيدة تطرق الباب.
وبرسالة تُقرأ بين الدموع.
وبقبر يُزار.
وبامرأتين تصنعان الكبة في مطبخ جديد، وتحاولان إعطاء شكل لكل ما تبقى.
حسن كسر عائلتنا.
ثم قضى بقية حياته يجمع قطعها من بعيد.
لا أعرف إن كان هذا يُسمى غفرانًا.
لكن عندما تجلس زهراء إلى مائدتي وتحدثني عن دروسها، وعندما تسقي نباتاتي، وعندما تضحك بالضحكة نفسها التي كانت لأبيها، أشعر أن شيئًا ما عاد لينمو في المكان الذي ظننت أنه مات إلى الأبد.
وربما يكون ذلك كافيًا.
لأن هناك جروحًا لا تختفي.
لكن هناك جذورًا، حتى لو اقتُلعت، تعرف كيف تعود لتبحث عن الضوء.
سرق ابني خزنة العائلة واختفى لمدة ثلاثة وعشرين عامًا، فحملته مسؤولية كل ما حدث وكرهته طوال تلك السنوات... حتى ظهرت ابنته فجأة أمام بابي وهي تحمل مفتاحًا وسرًا سلب مني القدرة على الكلام الجزء الأول أنا ابنة ابنك المفقود كانت تلك أول جملة قالتها الشابة الواقفة أمام باب شقتي، وهي تحمل حقيبة قديمة على كتفها وعيناها ممتلئتان بالخوف والتردد كنت أبلغ من العمر سبعةً وستين عامًا، وأعيش وحدي في شقة صغيرة داخل حي المنصور في بغداد. وفي هذا العمر يتعلم الإنسان ألا يفتح بابه لأي شخص غريب، خصوصًا عندما يرن الجرس في منتصف النهار دون موعد أو زيارة متوقعة فتحت الباب فتحة صغيرة فقط. من أنتِ؟ سألتها بحذر ابتلعت ريقها بصعوبة. اسمي زهراء العاني... وأنا ابنة حسن شعرت وكأن الأرض اهتزت تحت قدمي حسن ابني الابن نفسه الذي اختفى قبل ثلاثة وعشرين عامًا بعدما أفرغ خزنة مطعم والده بالكامل، ثم اختفى دون أن يترك خلفه أي أثر زوجي الحاج أبو أحمد توفي بعد ذلك بثلاثة أيام فقط قال الأطباء إنها أزمة قلبية أما أنا فكنت أعرف الحقيقة منذ اليوم الأول لم يمت بسبب المرض لقد انكسر قلبه عندما اكتشف أن ابنه الوحيد سرق تعب عمره كله كنا نملك مطعمًا شعبيًا معروفًا في منطقة الكرادة اسمه مضايف أبو أحمد لم يكن مطعمًا فاخرًا، لكنه كان مصدر رزقنا وحلمنا الذي بنيناه عامًا بعد عام كان زوجي يشرف على المطبخ بنفسه وأنا أتولى الحسابات أما حسن فكان يستقبل الزبائن ويشرف على الصالة ثمانية عشر عامًا قضيناها نجمع المال دينارًا فوق دينار حتى نتمكن من شراء العقار الذي يعمل فيه المطعم بدلًا من استئجاره وكان داخل الخزنة مبلغ كبير يقارب ستة مليارات دينار عراقي بين مدخرات واستثمارات وأموال مخصصة لشراء العقار نهائيًا وفي صباح يوم لم أنسه أبدًا...دخل زوجي إلى المكتب ثم خرج منه شاحب الوجه كانت الخزنة مفتوحة وفارغة تمامًا أما حسن...فلم يكن موجودًا غرفته بقيت كما هي ملابسه معلقة داخل الخزانة أحذيته تحت السرير وكل أغراضه في مكانها لكن هو...اختفى وكأنه تبخر في تلك اللحظة
سقط زوجي أرضًا ولم يستيقظ بعدها أبدًا اضطررت إلى بيع المطعم لأدفع تكاليف العلاج والمستشفى والديون والمصاريف المتراكمة وبعد ذلك بدأت من الصفر عملت في تنظيف البيوت وغسل الملابس ومسك الحسابات لبعض المحلات الصغيرة خلال الليل كل ذلك وأنا أحمل في داخلي كراهية صامتة لابني الذي دمّر حياتنا ثم هرب والآن...كانت فتاة غريبة تقف أمامي وتقول إنها حفيدتي قالت زهراء بصوت خافت والدي توفي قبل شهر ثم أضافت وقبل وفاته طلب مني أن أبحث عنكِ.لم أجبها مدّت يدها داخل الحقيبة وأخرجت مفتاحًا فضيًا صغيرًا ثم وضعته فوق الطاولة. قال لي أن أسلّمك هذا نظرت إليه دون أن أفهم فسألتها ما هذا؟قالت هناك مخزن في منطقة بغداد الجديدة وهناك ستجدين كل شيء تجمدت في مكاني. كل شيء ماذا؟رفعت زهراء عينيها نحوي، وكانت الدموع تلمع فيهما ثم قالت المال والحقيقة والسبب الذي جعله لا يعود أبدًا بقي المفتاح بيننا فوق الطاولة كأنه تهديد صامت طوال أكثر من عشرين سنة كنت مقتنعة أن ابني مجرد لص بلا ضمير لكن ذلك الصباح...ولأول مرة...أوحى لي أحدهم أن الحقيقة قد تكون أسوأ بكثير مما تخيلت وعندما وافقت أخيرًا على الذهاب إلى ذلك المخزن...لم أكن أعلم أنني على وشك فتح الباب الأكثر ألمًا في حياتي كلها.

تم نسخ الرابط