اعطتني حماتي 430 الف

لمحة نيوز

يدخل إلى السيارة كأنه يغسل صدري. جلست في مطعم صغير، وطلبت فطورًا سعوديًا بسيطًا، خبزًا ساخنًا، وفولًا، وقهوة عربية.
وعندما سألتني العاملة إن كنت أنتظر أحدًا، قلت
لا. أنتظر نفسي فقط.
وهذه الإجابة جعلتني أبكي.
ليس كثيرًا.
فقط بما يكفي لأودع نورة التي كادت تصعد إلى طائرة وهي تظن أنها تهرب من زواج حزين، دون أن تعرف أنهم كانوا يدفعونها نحو قبر إداري.
بعد أشهر، وُجهت التهم إلى خالد.
وأم خالد أيضًا.
وصالح أدلى بشهادته.
ولمى سلّمت كل شيء.
شهادة الوفاة المزورة لم تُستخدم. وأوراق التنازل أُبطلت. ووثيقة التأمين تحولت إلى دليل. والفيلا، تلك الفيلا الكبيرة في شمال الرياض التي أرادوا أن يحتفلوا فيها بغيابي، بيعت بعد إجراءات طويلة.
لم أحتفظ بالجدران.
احتفظت بالدرس.
المال الذي أعطتني إياه حماتي عاد إلى ملف القضية. لكن قبل أن أسلمه، التقطت صورة للظرف.
ليس حنينًا.
بل ذاكرة.
لأن ذلك الظرف كان أول مرة يضع فيها أحد ثمنًا لاختفائي.
430 ألف ريال سعودي.
هذا ما ظنوا أن صمتي يساويه.
كم كان رخيصًا أن يتخيلوني غبية.
آخر مرة رأيت فيها خالد كانت في جلسة قضائية. كانت لحيته قد طالت، وبدلته مجعدة. نظر إليّ كأنه لا يزال يبحث عن ثغرة.
قال
نورة، أنا أحببتك.
نظرت إليه بلا غضب.
كان الغضب قد أدى مهمته.
قلت
لا يا خالد. أنت أحببت ما كنت تستطيع أن تأخذه مني.
خفض عينيه.
أما أنا فلم أخفضهما.
وعندما خرجت من المحكمة، كان عبدالله ينتظرني بقهوَتين وابتسامة مرهقة.
قال
إلى أين يا أختي؟
نظرت إلى سماء الرياض الصافية بعد المطر.
قلت
إلى المطار.
ارتبك.
ماذا؟
ابتسمت.
هذه المرة سأسافر إلى أوروبا فعلًا.
وحدك؟
تنفست بعمق.
تذكرت كأس أم خالد، وضحكة خالد، والكيس الأسود، والشهادة المزورة، وسيارتي التي كانت تنتظر أن تحترق عند منعطف.
ثم فكرت في باريس.
وفي مدريد.
وفي أن أمشي دون أن يقيس أحد خطواتي.
قلت
نعم. وحدي.
لكنني هذه المرة لم أكن ذاهبة لأختفي.
كنت ذاهبة لأظهر لنفسي.
وعندما أقلعت الطائرة، نظرت من النافذة إلى أضواء الرياض وهي تصغر تحت الليل.
لم أشعر بالخوف.
شعرت بشيء أغرب.
الحرية.
الحرية نفسها التي حاولوا تزويرها بتوقيعي.
الحرية نفسها التي لم يستطيعوا حرقها.
الحرية نفسها التي كانت تحمل اسمي الحقيقي، مكتوبًا بيدي أنا.
في يومٍ لم أتوقعه أبدًا، أعطتني حماتي 430 ألف ريال سعودي، وألحت عليّ أن أسافر وحدي إلى أوروبا لأرتاح قليلًا لكن عندما تظاهرت بأنني غادرت إلى المطار وعدت سرًا إلى منزلي، وجدت زوجي يحتفل بأمرٍ لا يمكن أن يحدث إلا إذا اختفيت من حياته تمامًا خذي هذا يا نورة قالت حماتي وهي تدفع نحوي ظرفًا سميكًا فوق الطاولة سافري عدة أسابيع. أنتِ بحاجة إلى الابتعاد قليلًا كان داخل الظرف مال كثير من المال. 430 ألف ريال سعوديبقيت أحدق فيها بدهشة أم خالد لم تكن يومًا امرأة وقحة معي، لكنها لم تكن حنونة أيضًا. كانت من ذلك النوع من الحموات اللواتي يبتسمن قليلًا، ويتحدثن بهدوء، ويبدون دائمًا وكأنهن يحسبن كل شيء بدقة ولهذا السبب شعرت بالخوف. لماذا كل هذا المال؟ سألتها ربتت على يدي بلطف. لأنك تبدين متعبة. لأن هذا الزواج بدأ يستهلكك. ولأن المرأة تستحق أن تتنفس أحيانًا كان كلامها جميلًا جميلًا أكثر من اللازم كنت متزوجة من خالد منذ خمس سنوات، وأسكن معه في فيلا كبيرة شمال الرياض من الخارج كنا الزوجين المثاليين أما من الداخل، فقد أصبح بالكاد ينظر إليّ.كان يعود متأخرًا يمسح الرسائل من هاتفه ويبرر كل شيء بعبارة واحدةضغط العمل وعندما أخبرته أن والدته تريد أن ترسلني في رحلة طويلة، لم يبدُ عليه أي استغراب ولا حتى قليلًا قال فقط اذهبي. ستشعرين بتحسن. أمي ستبقى مهتمة بالبيت تجمدت في مكاني مهتمة بالبيت وليس بي في تلك الليلة جهزت حقيبتي ملابس جواز السفر أحذية عطور وشكًا ثقيلًا استقر في صدري وفي صباح اليوم التالي أصرت حماتي أن توصلني بنفسها إلى المطار طوال الطريق لم تتوقف عن الكلام كانت تتحدث عن جمال باريس وعن ضرورة إغلاق هاتفي وعدم الرد على اتصالات العمل والاستمتاع بالرحلة وعدم العودة قبل موعدها الجملة الأخيرة كررتها ثلاث مرات وعند صالة المغادرة في مطار الملك خالد الدولي بالرياض، احتضنتني بقوة وقالت وعديني أنك لن تعودي قبل مرور ثلاثة أسابيع نظرت إلى عينيها مباشرة وقلت أعدك كنت أكذب انتظرت حتى غادرت ثم خرجت من بوابة أخرى وألغيت رحلتي من الهاتف واستأجرت سيارة أجرة عائدة إلى المنزل لم أخبر أحدًا لا خالد ولا حماتي ولا حتى أمي كنت أريد أن أعرف ماذا يحدث داخل منزلي عندما يعتقد الجميع أنني أصبحت في السماء وصلت قرابة الثامنة مساءً.نزلت قبل المنزل بشارعين وسرت بصمت وأنا أسحب حقيبتي ومن آخر الشارع لاحظت شيئًا غريبًا الباب الرئيسي كان مفتوحًا كانت هناك موسيقى وضحكات وبالونات بيضاء تزين المدخل بدأ قلبي يضرب بعنف داخل صدري اقتربت من الحديقة الجانبية، حيث كانت إحدى الكاميرات معطلة منذ أشهر ثم نظرت من نافذة المجلس وفقدت أنفاسي كان زوجي هناك خالد يرتدي ثوبًا أبيض ناصعًا ويبتسم ويحتضن امرأة حامل أما حماتي فكانت تقف أمامهما تسكب العصير الفاخر وكأنها تحتفل بمناسبة عائلية سعيدة سمعتها تقول وهي تضحك أخيرًا رحلت. الآن نستطيع أن نفعل الأمور بالطريقة الصحيحة وضعت المرأة الحامل يدها على بطنها وقالت وماذا لو عادت نورة قبل الموعد؟انفجر خالد ضاحكًا وقال لن تعود. أعطيناها من المال ما يكفي لتختفي وهي سعيدة شعرت أن
ساقيّ لم تعودا تحملانني لكن الأسوأ لم يكن قد جاء بعد أخرجت حماتي ملفًا أزرق ووضعته فوق الطاولة وقالت غدًا سيقدم المحامي الأوراق. بهذه المستندات سنثبت هجران المنزل، وعدم الاستقرار النفسي، والتنازل الطوعي عن الممتلكات وضعت يدي على فمي حتى لا أصرخ تنازل؟أنا لم أوقع أي شيء في تلك اللحظة فتح خالد الملف ورأيت توقيعي مزورًا على ورقة تنص على أنني أتنازل عن الفيلا والحسابات البنكية وحصتي في الشركة ابتسمت المرأة الحامل وقالت وإذا سأل أحد عن مكانها؟رفعت حماتي كأسها وقالت بثقة سنقول إنها سافرت إلى أوروبا مع رجل آخر. لا أحد يبحث عن امرأة قررت الهرب بنفسها وقال وبعد ثلاثة أسابيع ستصبح هذه الفيلا ملكًا لابننا ابننا شعرت وكأن العالم انقسم إلى نصفين أردت أن أهرب أن أركض بعيدًا لكن في تلك اللحظة سمعت صوتًا خلفي صوت خطوة خفيفة فوق الحصى استدرت ببطء فوجدت خادمة المنزل واقفة في الحديقة كان وجهها شاحبًا وفي يدها كيس أسود همست بصوت مرتجف يا مدام نورة... لا تدخلي نظرت إليها بصدمة. لماذا؟التفتت نحو المجلس وهي ترتجف ثم قالت لأن هذه الأوراق ليست أسوأ شيء ورفعت الكيس أمامي فتحتُه بيدين مرتجفتين وفي الداخل وجدت نسخة من شهادة وفاتي بتاريخ الغد وتحتها ورقة كتبها زوجي بخط يده كانت الجملة تنتهي عند عبارةبعد الحادث... يجب ألا يعثر أحد على...الجزء الثاني.. سيكشف أن ما اكتشفته نورة داخل منزلها لم يكن أخطر ما أعده خالد ووالدته، وأن السر الذي أخفته الخادمة سيجعل الجميع يعيدون النظر في كل ما حدث منذ بداية القصة.

تم نسخ الرابط