مكان.
أما سعود فكان يضحك أكثر مما ضحك طوال السنوات الماضية.
وفي نهاية الحفل تقدمت أمينة وهي تحمل هدية مغلفة بورق أزرق.
وقالت
افتحها يا بطل.
فتح سعود الهدية بحماس.
فوجد صندوقًا خشبيًا أنيقًا.
وعندما فتحه أكثر اتسعت عيناه.
كان بداخله حصان خشبي جديد.
يشبه حصانه القديم تمامًا.
لكن أقوى وأجمل.
وفي أسفله لوحة صغيرة بلون ذهبي.
قرأ سعود الكلمات المكتوبة عليها بصوت مرتجف
إلى سعود... الطفل الذي لم يكن مكسورًا يومًا.
امتلأت عيناه بالدموع.
وامتلأت عينا فهد أيضًا.
همس الطفل
شكرًا يا نانا.
ابتسمت أمينة وربتت على شعره.
وقالت
لا تشكرني يا حبيبي.
ثم نظرت إلى فهد.
وقالت
أنت من علمتنا أن الحب الحقيقي لا يحتاج إلى ساقين حتى يحمل عائلة كاملة.
وبعد سنوات طويلة...
لم يتذكر سعود ذلك اليوم على أنه اليوم الذي حاولت فيه امرأة قاسية أن تكسر روحه.
بل تذكره باعتباره اليوم الذي عاد فيه والده من الظل.
واليوم الذي أصبحت فيه أمينة أمًا له أمام الجميع.
واليوم الذي لم يعد فيه المنزل ملكًا للمال...
بل أصبح ملكًا للمحبة.
اختفت ريم من حياتهم كما تختفي الظلال عندما يسطع النور.
أما فهد...
فلم يعد يختبئ أبدًا ليرى كيف يُعامل ابنه.
لأنه منذ ذلك اليوم أصبح حاضرًا.
دائمًا.
وأبدًا.
عاد رجل الأعمال السعودي فهد السبيعي إلى الرياض قبل موعد عودته بيومين، وفي جيبه خاتم ألماس كان ينوي أن يطلب به الزواج من المرأة التي ظنّ أنها أحبت ابنه الصغير كما لو كان ابنها... لكنه
قبل أن يخطو إلى داخل الفيلا سمعها تقول لابنه كلمات لم يكن مستعدًا لسماعها أبدًا اخترق الصراخ أرجاء الفيلا الفاخرة كالسهم. أنت عديم الفائدة يا سعود! انظر ماذا فعلت! انظر إليّ عندما أحدثك!تجمّد فهد السبيعي في ممر الخدمة داخل فيلته الكبيرة شمال الرياض كان قد وصل لتوه من جدة قبل الموعد المحدد بيومين وفي الجيب الداخلي لسترته الكحلية كانت تستقر علبة الخاتم التي دفع ثمنها مبلغًا أكبر مما كان يملك كله عندما بدأ أول مشروع تجاري في حياته كان سعيدًا وكان متوترًا وكان يتخيل ملامح ريم عندما يجثو أمامها في المجلس الرئيسي للفيلا، أسفل صورة زوجته الراحلة، ويخبرها بأنه يريد أن يبدأ حياة جديدة ويمنح ابنه أسرة من جديد لكن ما سمعه لم يكن حبًا بل كان سُمًّا خالصًا لم يفتح فهد الباب ولم يعلن وصوله كان هناك شيء أعمق من المنطق يدفعه للبقاء في الظل اقترب قليلًا من الإطار حبس أنفاسه ونظر إلى الداخل كان المطبخ الواسع يلمع تحت الأضواء، برخامه الأبيض الفاخر وثرياته الأنيقة ونوافذه الكبيرة المطلة على الحديقة لكنه لم يعد يبدو قلب المنزل الدافئ بل بدا كأنه محكمة قاسية لا تعرف الرحمة في وسط الأرضية كانت بقعة من عصير البرتقال تمتد ببطء نحو عجلات كرسي متحرك وعلى الكرسي جلس سعود، ابن فهد البالغ من العمر ست سنوات كان منكفئًا على نفسه رأسه بين كتفيه ويداه المرتجفتان تقبضان على جانبي الكرسي لم يكن يبكي بصوت مرتفع بل كان يبكي بالطريقة التي يبكي بها الأطفال
الذين تعلموا مبكرًا أن دموعهم تزعج الآخرين همس بصوت مرتعش آسف يا ريم... انسكب العصير مني. يداي ما استجابت لي بشكل جيد وقفت ريم الشمري أمامه السيدة التي كان فهد يستعد ليجعلها زوجته كانت ترتدي فستانًا أنيقًا بلون بيج، ومكياجًا متقنًا، لكن ملامحها كانت مشوهة بالاحتقار قالت بحدة أعذار! دائمًا يداك وقدماك وكرسيك المتحرك. تعبت من أعذارك يا ولد. هل تعرف كم أتعب حتى تبقى هذه الفيلا نظيفة ثم تأتي لتفسد كل شيء؟ورفعت يدها شعر فهد بأن جسده كله توتر في لحظة واحدة كاد يندفع إلى الداخل كاد يصرخ كاد يبعدها عن ابنه بالقوة لكن شخصًا آخر كان أسرع منه ظهرت أمينة بين ريم وسعود كانت العاملة المنزلية التي خدمت العائلة لأكثر من عشرين عامًا امرأة قاربت الستين من عمرها قصيرة القامة ملامحها بسيطة وشعرها الرمادي مخبأ تحت غطاء مرتب وعيناها تحملان إرهاق سنوات طويلة من العمل الصامت كانت ترتدي زي العمل الأزرق ومريلة بيضاء وقفازات ما زالت مبللة بالماء والصابون لكنها في تلك اللحظة لم تبدُ كعاملة منزلية بل بدت كجدار لا يمكن تجاوزه قالت بهدوء حازم أنزلي يدك يا أستاذة ريم... ولا تفكري حتى في لمس الطفل تجمدت ريم للحظة ثم ابتسمت ابتسامة باردة مليئة بالقسوة. عفوًا؟ هل تعطينني أوامر؟ أنتِ مجرد عاملة منزلية أجابت أمينة بثبات نعم أنا عاملة منزلية. لكن قبل ذلك أنا إنسانة. وما تفعلينه ليس من الإنسانية بشيء رفع سعود عينيه نحو أمينة نظر إليها وكأنها الضوء الوحيد
في المكان وفي تلك اللحظة شعر فهد بوخزة مؤلمة في قلبه فقد رأى هذه النظرة من قبل رآها مرات كثيرة لكنه لم يفهم معناها أبدًا كان ابنه ينظر إلى أمينة كما ينظر الطفل إلى أمه قالت ريم بازدراء لا تتدخلي فيما لا يعنيك. فهد ليس هنا. لا داعي لهذا التمثيل. عندما لا يكون موجودًا هنا فأنا صاحبة القرار خلف الباب ضغط فهد على أسنانه بقوة وقال في داخلهأنا هنا... وأخيرًا عرفت حقيقتك اقتربت ريم أكثر من الطفل ثم قالت بصوت ناعم يخفي سمًّا قاتلًا هل تظن أن والدك سعيد وهو يتحملك طوال الوقت؟ هل تعتقد أن رجلًا مثل فهد يريد أن يقضي عمره يدفع كرسيًا متحركًا؟ هو يشفق عليك
فقط يا سعود. هذا ليس حبًا. إنها شفقة شحب وجه الطفل وقال بصوت مكسور يعني... أبوي ما يحبني؟انحنت أمينة على ركبتيها أمامه غير مبالية بالعصير المنسكب على الأرض وقالت وهي تنظر مباشرة إلى عينيه انظر إلي يا ولدي. هذا الكلام كذب. والدك يحبك أكثر من أي شيء في الدنيا. أنت لست عبئًا على أحد. أنت حياته كلها أطلقت ريم ضحكة ساخرة ثم قالت يا له من مشهد مثير للشفقة. العاملة المنزلية والطفل يلعبان دور العائلة السعيدة. استمتعي بذلك يا أمينة. لأنه عندما أضع هذا الخاتم في إصبعي، ستخرجين من هذه الفيلا إلى الأبد. أما هذا الطفل فسيذهب إلى مركز رعاية خاص بعيدًا عن المنزل. وفهد سيفعل كل ما أطلبه منه الجزء الثاني.. سيكشف أن فهد السبيعي لم يكن يعلم حجم ما كان يحدث لابنه خلف الأبواب المغلقة، وأن القرار الذي
اتخذه بعد دقائق سيغيّر مصير الجميع.