اخذتني زوجتي
والمرضى الذين يعيشون وحدهم.
أنت متأكد؟ سألني مهند.
أبي كان يقول الأرض لا يأخذها الإنسان إلى القبر. يتركها تتنفس بعده.
عملوا مسارًا فيه حواجز خشبية في الأماكن الصعبة.
ووضعوا مقاعد.
واحد منها بقي في المكان الذي تركتني فيه سعاد.
أنا طلبت أن يبقى جذع الشجرة مكانه.
لماذا تريد أن تتذكره؟ سألت مريم.
لأنني هناك عرفت أنني لم أمت.
في أول مرة رجعت فيها، مشى ظل إلى جانبي.
كانت رائحة الجبل كما هي.
صنوبر.
تراب بارد.
أوراق يابسة.
وفطر مختبئ تحت الظل.
لكنه لم يعد يبدو تهديدًا.
صار يبدو شاهدًا.
جلست على الجذع.
ومررت يدي على خشبه الخشن.
هنا تركتني قلت.
تنفس ظل بقوة.
وهنا وجدتني.
وضع الحيوان رأسه على فخذي.
رفعت وجهي نحو الهواء.
لم أكن أرى السماء.
لكنني شعرت بالشمس وهي تمر بين الأغصان.
وكان هذا يكفي.
بعد أشهر، أخذوني إلى مهرجان شعبي في إحدى قرى كردستان.
لم أكن أرى الملابس، ولا الألوان، ولا وجوه الناس وهم يرقصون.
لكنني سمعت الموسيقى.
والتصفيق.
وصوت الطبول وهو يهز الأرض.
شممت رائحة الشواء.
والخبز الحار.
والشاي.
وتذوقت قطعة حلوى، وللحظة شعرت أن الدنيا ما زال فيها طعم حلو.
سألتني مريم إن كنت حزينًا لأنني لا أرى الاحتفال.
لا قلت لها أنا أسمعه بكل جسمي.
في ذلك المساء، وسط الأصوات والموسيقى، فكرت في سعاد.
ليس بحب.
وليس بكره.
بل من بعيد.
هي ظنت أن فقدان بصري يعني فقدان حياتي.
ثم ظنت أن تركي بين أشجار الصنوبر يعني أنني لن أجد طريقًا.
أخطأت مرتين.
لأن الرجل قد يفقد بصره، لكنه يستطيع أن يرى الحقيقة عندما توضع أمامه أخيرًا.
ولأن
بل يأخذك إلى مكان آخر.
إلى بيت صغير ببطانيات نظيفة.
إلى جماعة لا تسألك كم تنفع قبل أن تعطيك كوب شاي.
إلى كلب ذئب اسمه ظل يشم يدك ويقرر أنك ما زلت تستحق الحياة.
اليوم ما زلت أعمى.
هذا لم يتغير.
لكنني لم أعد أمشي ورأسي منخفض.
عندما تضرب عصاي أرض الجبل، أعرف أين أقف.
وعندما يرن جرس ظل، أعرف إلى أين أتقدم.
وعندما يحرك الهواء أشجار الصنوبر، أسمع صوت أبي يقول إن الشجرة لا تطلب إذنًا من أحد حتى تبقى واقفة.
تركتني سعاد في الجبل حتى لا أعرف طريق العودة.
وكانت محقة.
لم أعد أبدًا.
الرجل الذي رجع من تلك الليلة لم يكن جاسم الذي تركته.
كان رجلًا آخر.
رجل تعلم، وسط الظلام، أن ليس كل من يملك أنيابًا جاء ليفترسك.
بعضهم يرسله الله حتى يسحبك من فم الذين أقسموا أنهم يحبونك.
أخذتني زوجتي وأنا أعمى إلى جبال كردستان، وتركتني جالسًا بين أشجار الصنوبر وهي تعرف أني مستحيل أعرف طريق الرجعة وحدي. وفي نفس الليلة، اقترب ذئب حتى يشم يدي... لكنه لم يكن قادمًا ليقتلني. انتظرني هنا يا جاسم. سأذهب لأجلب ماءً من الجدول كانت هذه آخر كلمة قالتها لي سعاد سمعت خطواتها تبتعد بين الأوراق اليابسة في البداية ببطء ثم أسرع ثم لا شيء لا شيء فقط هواء الجبال البارد، وصوت الأغصان وهي تحتك ببعضها، وعصاي تضرب الأرض في المكان الذي كنت أمشي فيه قبل سنوات بلا خوف، والفأس على كتفي، ويداي مليئتان بالقوة والحياة. سعاد؟ صرخت أعادت الجبال صوتي إليّ. سعاااد!صمت في تلك اللحظة فهمت زوجتي لم تضع الطريق هي
أحدثه وكأنه يفهم كل كلمة أخبرته أنني كنت أنقل الحطب إلى القرية وأن الجميع كانوا يعرفونني ويسلمون عليّ.وأن سعاد كانت تنظر إليّ بفخر وأن العمى حوّل بيتي إلى سجن وزواجي إلى دين ثقيل. أسوأ شيء ليس أن تفقد بصرك قلت بصوت مكسور أسوأ شيء أن ينظر إليك الشخص الذي وعد بحمايتك وكأنك لا شيء لم يتحرك الذئب فقط وضع رأسه على ركبتي وعندما أشرقت الشمس، وقف ظننت أنه سيرحل لكنه دفع يدي بأنفه ثم أمسك طرف سترتي بأسنانه بلطف، وكأنه يقول ليتعال. تريدني أن أتبعك؟مشى الذئب خطوتين ثم توقف أمسكت عصاي ومشيت خلفه ليس باتجاه القرية وليس باتجاه بيتي كان يأخذني أعمق داخل الجبل وكل خطوة كانت تحمل رائحة أغرب تراب محفور دخان قديم ودم جاف وفجأة اصطدمت عصاي بشيء صلب انحنيت ولمسته كان كيسًا بلاستيكيًا مدفون نصفه في التراب فتحته فوجدت بداخله ملابس نسائية وصورة ممزقة وسوارًا أعرفه جيدًا كان سوار سعاد لكن الشيء الذي جمد الدم في عروقي لم يكن السوار بل أنني سمعت صوت زوجتي خلف الأشجار وهي تقول قلت لك إذا وجدته ما زال حيًا، كان يجب أن...الجزء الثاني.. سيكشف أن الحقيقة وراء ما جرى لجاسم في الجبل لم تكن كما اعتقد، وأن الكلمات