في جنازة زوجي

لمحة نيوز

معك. كنت أومئ برأسي فقط. لكن داخلي كان يردد جملة واحدة لا تثقي بأبنائنا. قالوا إن أبو فهد توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة داخل مكتبه في الشركة. لكنني لم أكن هناك. فهد اتصل بي عند الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة مساءً. يمّه... أبوي توفى. وعندما وصلت، كانت سيارة الإسعاف موجودة. والأوراق جاهزة. وشركة تجهيز الجنائز بانتظارها خارج المبنى. كل شيء كان سريعًا جدًا. مرتبًا أكثر مما يجب. والآن هناك من يرسل لي رسائل من وراء الموت. في تلك الليلة، عندما عدنا أخيرًا إلى منزلنا الكبير في شمال الرياض، شعرت أن المكان لم يعد منزلي. الإضاءة خافتة. وصورة أبو فهد ما زالت معلقة في الصالة. ونظارته فوق الطاولة. وبجانبها فنجان القهوة الذي شرب منه صباح اليوم السابق. جلس فهد وسعود لبعض الوقت. فتحا بعض الأدراج. أجريا عدة اتصالات. وتحدثا بصوت منخفض قرب المطبخ. وعندما ظنا أنني لا أسمع، قال سعود لازم ننهي الموضوع قبل ما تبدأ تسأل. رد فهد بكرة أجيب الدكتور. مع الحزن وعمرها بيكون الموضوع سهل. تجمدت يداي. لم أفهم كل شيء. لكنني فهمت ما يكفي. وعندما غادرا أخيرًا، أغلقت الباب بالمفتاح مرتين وصعدت إلى
مكتب أبو فهد. كانت رائحة الخشب الفاخر والتبغ تعبق بالمكان. ورائحته ما زالت هناك. اهتز هاتفي مرة أخرى. وصلت صورة. صورة مكتبه. المكتب الخشبي الكبير الذي كان يحتفظ فيه بالعقود والصكوك والوثائق المهمة. كان هناك دائرة حمراء تشير إلى أسفل إحدى الزوايا. وتحتها رسالة جديدة اضغطي على الزاوية اليسرى. لا تفتحي شيئًا أمامهما. جثوت على ركبتي. وأنا أرتجف. مررت أصابعي على الخشب. وضغطت. طَق. انفتح درج سري. لم أجد مجوهرات. ولا أموالًا. بل وجدت رسالة مطوية. وذاكرة إلكترونية. ومظروفًا أصفر يحمل اسمي. أم فهد... هكذا بدأت الرسالة. وعرفت خطه فورًا. فشعرت أن قلبي انكسر. إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنهم حاولوا إبعادي عن الطريق. فهد وسعود ليسا كما تظنين. سمعت حديثهما عن التأمينات والاستثمارات والأملاك. وسمعتهما يسألان كم سيستغرق القضاء لإعلانك غير قادرة على إدارة شؤونك إذا غبت أنا. وضعت يدي على فمي حتى لا أصرخ. وأكملت القراءة. لا توقعي على أي ورقة. لا تأكلي أي شيء يقدمانه لك. ولا تصدقي الوصية التي سيعرضانها عليك. الوصية الحقيقية مخبأة في مكان لا يعرفه سواك. وفي تلك اللحظة سمعت
صوتًا في الأسفل. سيارة توقفت أمام المنزل. أطفأت المصباح فورًا. ونظرت من النافذة. كانا ابنيّ. عادا مجددًا. كان فهد يحمل كيسًا من المخبوزات. وسعود يحمل علبة قهوة. وخلفهما رجل يرتدي معطفًا طبيًا أبيض. ضممت الرسالة إلى صدري. رن جرس الباب. مرة. مرتين. ثلاث مرات. يمّه... إحنا رجعنا. جبنا لك عشاء. لم أرد. اهتز هاتفي من جديد. رسالة جديدة. لا تفتحي لهما. بقيت جامدة في مكاني. وفي الأسفل بدأ سعود يطرق الباب بقوة أكبر. يمّه... لا تصعبين الأمور. الدكتور فقط يريد الاطمئنان عليك. تغير صوت فهد. لم يعد هادئًا. نورة... افتحي الباب. نورة. لم يقل يمّه. بل نورة. اتجهت نحو غرفتي وفتحت الخزنة الصغيرة التي كان أبو فهد يحتفظ فيها بمسدسه. لم أكن أجيد استخدامه. لكن مجرد الإمساك به منحني شجاعة افتقدتها ساقاي. وفجأة وصلت رسالة جديدة. اخرجي من باب الخدمة. السائق القديم ما زال وفيًا. اتسعت عيناي. السائق القديم؟ أبو راشد؟ لقد عمل مع أبو فهد أكثر من عشرين عامًا قبل أن يقوم فهد بطرده قبل شهرين دون تفسير. نزلت عبر الدرج الخلفي بهدوء. وفي الخارج كان ابناي ما يزالان يحاولان فتح الباب الرئيسي. ثم سمعت
صوت زجاج يتحطم. كانا سيدخلان. عبرت المطبخ. وعلى الطاولة كان فنجان القهوة الأخير لأبو فهد. وبجانبه شيء لم ألاحظه من قبل. عبوة صغيرة فارغة مخبأة خلف وعاء السكر. أمسكت بها. كانت رائحتها مرة. غريبة. مخيفة. هز هاتفي مرة أخرى. هل رأيتِ ما استخدموه؟ غمرت الدموع عيني. وكتبت أين أنت؟ هذه المرة تأخر الرد. وفي الوقت نفسه بدأت خطوات ابنيّ تتردد داخل المنزل. يمّه! صرخ سعود لا نريد إخافتك، لكنك متوترة ولا تعرفين ما تفعلين. ركضت نحو باب الخدمة. فتحته. وفي الشارع المظلم كانت تقف سيارة أجرة قديمة وأضواؤها مطفأة. أنزل السائق النافذة. كان أبو راشد. اركبي يا أم فهد. أبو فهد طلب مني أجي إذا صار شيء. شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي. أنت تعرف أين زوجي؟ لم يجب. واكتفى بالنظر نحو المنزل. وفي تلك اللحظة خرج فهد إلى الفناء الخلفي. ورآني. يمّه! توقفي! ركبت السيارة. وانطلقت بسرعة. وبينما كان المنزل يبتعد خلفنا، اهتز هاتفي للمرة الأخيرة تلك الليلة. وكانت الرسالة تقول الجزء الثاني.. سيكشف أن الحقيقة وراء اختفاء أبو فهد لم تكن كما اعتقد الجميع، وأن الرسالة التالية ستقلب حياة نورة وأبنائها رأسًا على
عقب.

تم نسخ الرابط