في جنازة زوجي
المحتويات
إليه.
وفي حقيبته وجدوا وصفات طبية فارغة، وأدوية، وتقريرًا جاهزًا باسمي.
تدهور إدراكي شديد.
تحتاج إلى إشراف دائم.
غير مؤهلة لإدارة شؤونها المالية.
كدت أضحك.
ليس من الفرح.
بل من الرعب.
حتى شيخوختي أردتم تزويرها قلت.
اقترب فهد.
يمّه، أنتِ لا تفهمين. أبي كان سيحرمنا بسبب رجل غريب.
صفعته.
وساد الصمت.
عبدالله لم يكن غريبًا. كان ابني.
وضع سعود يديه على رأسه.
ذلك الرجل كان ميتًا.
لا. كان مخفيًا. مثل الحقيقة.
تقدم أبو فهد خطوة نحوهما.
أنتما اخترتما المال على أمكما.
ضغط فهد على أسنانه.
وأنت اخترت ميتًا على أبنائك الأحياء.
نظر إليه أبو فهد بحزن.
لا. أنتما اخترتما أن تصبحا أمواتًا في قلبي.
دُفن عبدالله في المزرعة باسمه الحقيقي.
لم يكن هناك عزاء كبير.
ولا رجال أعمال.
ولا معارف من قصور شمال الرياض.
ولا ورود فاخرة.
فقط نخيل، وتراب مبتل، والطبيبة التي اعتنت به، وأبو راشد، ومروان، وأبو فهد، وأنا.
وضعت ورودًا بيضاء فوق قبره.
سامحني لأنني تأخرت يا ولدي.
حرّكت الريح سعف النخيل.
لا شيء أكثر.
لكن هذه المرة، على الأقل، كان لابني أم تقف أمام قبره.
ثم بدأت المعركة القانونية.
تحول فهد وسعود إلى ملفات.
تزوير.
احتيال.
محاولة استيلاء على ممتلكات.
عنف مالي.
إعطاء مواد دون علم.
ومحاولة التحكم في أهليتي وقراراتي.
تعلمت كلمات لا تتمنى أي أم أن تتعلمها بسبب أبنائها.
قُرئت الوصية الحقيقية في مكتب قانوني بالرياض، بحضور محامين، ومستندات، وأبنائي جالسين أمامي كرجلين ما زالا يظنان أن الحقيقة قابلة للتفاوض.
قرأ مروان
كل تصرف يهدف إلى الضغط على زوجتي نورة، أو تقييد إرادتها، أو إعطائها مواد دون علمها، أو إدارة أموالها رغمًا عنها، أو تقديم تقارير طبية غير صحيحة بشأنها، يُعد سببًا لإلغاء أي منفعة إضافية ممنوحة للطرف المتسبب في ذلك.
شد فهد فكه.
وبدأ سعود يبكي.
يمّه، أرجوك
لم
أكمل المحامي
وتُخصص نسبة من المال لإنشاء مؤسسة عبدالله بن عبدالعزيز الخيرية، لدعم علاج الأطفال المصابين بأمراض القلب في المناطق المحتاجة داخل المملكة.
أغمضت عيني.
عبدالله لم تصل إليه مساعدتنا في الوقت المناسب.
ربما تصل إلى أطفال آخرين.
وحين انتهت القراءة، وقف فهد.
أخذتم منا كل شيء.
أجاب أبو فهد، وهو جالس بجانبي
لا. أنتم أفرغتم أنفسكم بأيديكم.
فهد لم يطلب مني السماح أبدًا.
أرسل محامين.
وأرسل تهديدات.
وأرسل رسائل يقول فيها إن أبو فهد يسيطر عليّ.
كنت أضع كل شيء في ملف دون أن أقرأ أكثر من سطرين.
أما سعود، فقد عاد.
بعد أشهر، ظهر في حديقة البيت، أنحف من قبل، بلحية مهملة، وباقة ورد اشتراها بدافع الندم.
استقبلته في الخارج.
ليس في الصالة.
يمّه قال فهد ضغط عليّ.
قلت له بهدوء
أنت كنت رجلًا بالغًا قبل أن يتعلم أخوك الكذب بإتقان.
أخفض رأسه.
سامحيني.
نظرت إليه كما تنظر الأم إلى ابن ما زالت تحبه، لكنها لم تعد قادرة على إنقاذه.
السماح لا يعيد المفاتيح.
بكى.
أعرف.
إذن ابدأ بأن تعرف ذلك بصدق.
لم أحتضنه.
ولم أطرده.
أحيانًا لا تعرف الأم هل هذا رحمة أم تعب.
أنا وأبو فهد لم نعد كما كنا.
كيف نعود؟
هو أنقذني من أبنائي.
لكنه أخفى عني ابني الأول.
جعلني أبكيه حيًا، ويدفن عبدالله تحت اسم غير اسمه.
نمنا في غرفتين منفصلتين لشهور.
بيت شمال الرياض، بجدرانه العالية وأشجاره المرتبة، لم يعد يبدو فخمًا.
صار يحمل رائحة قهوة مشبوهة، وأسرار، وأدراج فُتحت بأيدٍ طامعة.
غيّرت الأقفال.
رميت الفنجان الذي كان قرب العبوة.
واحتفظت بالمكتب الخشبي.
كل صباح كنت أضغط على زاوية
المخبأ السري، رغم أنه صار فارغًا، لأتذكر أن على المرأة أن تعرف أين تحفظ حقائقها.
في إحدى الليالي وجدت أبو فهد في الحديقة.
قال
لا أستحق أن تبقي.
جلست بجانبه.
لم أبقَ لأنك تستحق. بقيت لأن ثلاثة وأربعين
بكى.
عبدالله كان يشبهك.
أعرف.
كان يجب أن آخذك إليه.
نعم.
كان يجب أن أخبرك.
نعم.
هل ستسامحينني يومًا؟
نظرت إلى أضواء البيت الباردة خلف الأشجار.
ربما في اليوم الذي أتوقف فيه عن الاستيقاظ وأنا أدفنك مرتين.
لم يقل شيئًا.
وقد أحسن.
افتتحت مؤسسة عبدالله أول عيادة متنقلة لها بعد عامين.
ذهبنا إلى قرى بعيدة، حيث كانت الأمهات ينتظرن طويلًا وهن يحملن أطفالهن. رأيت طبيب قلب يفحص طفلًا صغيرًا بينما كانت أمه تتمتم بالدعاء.
أمسكت يدها.
نحن هنا قلت لها.
وشعرت أن عبدالله كان هناك أيضًا.
مات أبو فهد فعلًا بعد خمس سنوات.
دون نعش مغلق.
دون تمثيل.
دون رسائل من أرقام مجهولة.
ودون أبناء يتظاهرون بالبكاء.
ودعته بحزن نظيف.
ليس كاملًا.
لكنه نظيف.
وضعت وردة فوق قبره وقلت
هذه المرة أعرف أين أنت.
ثم ذهبت إلى قبر عبدالله ووضعت وردة أخرى.
أم لابن مسروق.
وزوجة لرجل أنقذني وجرحني.
وناجية من ابنين حيّين تعلما متأخرًا أن الأم ليست توقيعًا مرتجفًا على ورقة.
اليوم عمري ثمانون عامًا، وما زلت أعيش في بيتي.
وفي المكتب، ما زال المكتب الخشبي في مكانه.
داخل المخبأ السري لم أعد أضع وصايا.
أضع رسائل.
رسالة عبدالله.
ورسالة من أبو فهد يطلب فيها السماح.
ورسالة مني، كتبتها لليوم الذي أغيب فيه.
تبدأ هكذا
إلى من يحاول أن يقرر عني حين لا أستطيع الكلام نورة لم تكن أرملة مرتبكة، ولا أمًا سهلة المحو، ولا امرأة مسنة تنتظر الإذن كي تعيش.
أحيانًا يهتز هاتفي في المساء، فيمر البرد في جسدي.
أتذكر الجنازة.
الإمام يدعو.
فهد وسعود قرب النعش.
والرسالة
أنا حي. لا تثقي بهما.
ظننتها مزحة قاسية.
كانت عودة مؤلمة من الموت.
لكنها كانت الباب أيضًا.
اكتشفت أن زوجي لم يكن في ذلك النعش.
واكتشفت أن ابني الضائع كان موجودًا.
واكتشفت أن أبنائي
واكتشفت شيئًا آخر
أن المرأة قد تبكي أمام صندوق مغلق، ومع ذلك تملك القوة لتفتح مكتبًا، ووصية، وكذبة، وحياتها كلها.
ترك لي أبو فهد تحذيرًا.
وترك لي عبدالله رسالة.
وترك لي فهد وسعود ندبة.
لكنني تركت لنفسي شيئًا أهم
قرار ألا أطيع من يسمّون سجني رعاية.
لذلك، حين يسألني أحد كيف نجوت من تلك الجنازة، أقول دائمًا الشيء نفسه
لم يكن السبب أن أبو فهد كان حيًا.
بل لأنني أنا أيضًا استيقظت.
في جنازة زوجي، وبينما كان أبنائي يقفون بجوار النعش يتظاهرون بالحزن، وصلتني رسالة غامضة تقول أنا على قيد الحياة... لا تثقي بهما. ظننت في البداية أنها مزحة ثقيلة لا تليق بهذا الموقف... لكن الرسالة الثانية حملت صورة لمكتب أبو فهد وقالت هنا أخفيت الوصية الحقيقية. اهتز هاتفي بين يدي في اللحظة نفسها التي كان الإمام يردد فيها آخر الدعوات. كنت أقف أمام نعش أبو فهد، زوجي منذ ثلاثة وأربعين عامًا، أرتدي عباءتي السوداء وقد أخفى النقاب نصف وجهي، بينما كانت ساقاي ترتجفان من شدة الصدمة. كان ابناي، فهد وسعود، يقفان إلى جانبي. هادئين أكثر من اللازم. مرتبين أكثر من اللازم. ومتماسكين أكثر مما ينبغي لرجلين فقدا والدهما قبل ساعات. كانت الرسالة من رقم مجهول. أم فهد... لا تبكي على ذلك الجسد. أنا لست هناك. شعرت وكأن الهواء انقطع من حولي. نظرت إلى النعش المغلق. وشعرت بضربة قوية في صدري حتى اضطررت إلى الإمساك بأحد المقاعد حتى لا أسقط. كتبت بأصابع مرتجفة من أنت؟ جاء الرد سريعًا. أنا أبو فهد. لا تثقي بأبنائنا. كاد الهاتف يسقط من يدي. التفت فهد نحوي. يمّه... كل شيء بخير؟ ضممت الهاتف إلى صدري بسرعة. نعم... فقط أشعر بدوار بسيط. ابتسم لي. لكنها لم تكن ابتسامة ابن. كانت ابتسامة شخص يتأكد من أن الباب أُغلق بإحكام. اقترب سعود وأمسك بذراعي. بعد العزاء بنرجع البيت
متابعة القراءة