في تلك الليلة، بعدما نام الجميع، جلست وحدي في الصالة الصغيرة.
أصوات الشارع تدخل من الشباك.
وبائع ذرة ينادي بعيدًا.
وشقة هبة الهادئة تبدو أصغر من أحلامنا لكنها أكثر دفئًا من أي بيت عشنا فيه سابقًا.
خرجت
مريم من غرفتها وشعرها مبعثر من النوم.
قالت
ماما.
نعم؟
اقتربت وجلست بجواري.
كنت بس عايزة أتأكد إنك هنا.
فتحت لها ذراعي فورًا.
فاستندت برأسها على كتفي كما كانت تفعل وهي طفلة.
وبينما كنت أضمها بهدوء، أدركت أخيرًا أن إنقاذ ابنة لا يبدأ دائمًا بالقوة.
أحيانًا يبدأ في ليلة واحدة فقط
عندما تتوقف أم عن طلب الإذن.
وتخرج من الباب الخلفي وهي تحمل الشيء الوحيد الذي يستحق النجاة.
ابنتي ذات الخمسة عشر عامًا كانت تتلوّى من شدة الألم على أرضية الحمّام بينما كان زوجي يكرر ببرود أنها تمثّل فقط. وفي تلك الليلة، خرجتُ بها سرًا إلى المستشفى دون أن يعرف وهناك بدأت الحقيقة التي قلبت حياتنا كلهامنذ ثلاثة أيام، كانت مريم تتقيأ بصمت داخل حمّام شقتنا الصغيرة في مدينة نصر تنحني فوق المغسلة، ووجهها شاحب بطريقة أخافتني، ويدها لا تفارق أسفل بطنها كنت أقول لزوجي حسام كل ساعة تقريبًا لازم نوديها المستشفى لكنه كان يرمي مفاتيحه فوق الطاولة بعصبية ويقول دي بنت مدلعة أكيد عايزة تهرب من الامتحانات في البداية حاولتُ تصديقه أحيانًا تُقنعك الحياة أن الخوف مبالغة، فقط لأنك تعبت من القلق لكن عندما بدأت مريم تتقيأ بشكل مقلق، شعرتُ أن شيئًا
ليس طبيعيًا قلت له بخوف شفت؟ لازم نتحرك حالًا حتى لم ينظر إليها قال ببرود عضّت شفايفها من التوتر بطّلي دلع وفي الليلة التالية، ارتفعت حرارتها بشكل مقلق كانت الملاءة مبللة بالعرق، وأنفاسها متقطعة، لكن حسام انتزع الترمومتر من يدي وقال بضيق كل شوية مستشفى ومستشفى هنصرف منين يعني؟لم أرد لأنني كنت أعرف تلك النظرة في عينيه النظرة التي تعني أن النقاش انتهى لكن كل شيء تغيّر عندما وجدتها مغمى عليها داخل الحمّام كانت ممددة على الأرض الباردة، ويدها فوق بطنها، والهاتف مغلق داخل قبضتها كأنها حاولت طلب النجدة ولم تستطع في تلك اللحظة توقفتُ عن طلب الإذن انتظرت حتى نام حسام ثم ألبست مريم جاكيتًا ثقيلًا فوق ملابس النوم، وخرجنا من باب الشقة الخلفي بهدوء كامل لم أشعل الضوء حتى الباب أغلقته ببطء شديد كانت مريم تمشي منحنية، وشفتيها متشققتين، وعيناها غائرتين بطريقة لم أرها من قبل ومع كل خطوة، كانت تخرج منها آهة صغيرة كأنها تخاف أن يزعج ألمها أحدًا همست ماما لو بابا صحى هيزعل شعرتُ بشيء ينكسر داخلي لأن ابنتي لم تكن خائفة من الموت كانت خائفة من غضب أبيها قلت وأنا أحاول تثبيت صوتي يزعل زي ما يزعل إنتِ جاية معايا طلبتُ سيارة أجرة بسرعة وعندما رآنا السائق من المرآة، تغير وجهه فورًا قال على مستشفى إيه؟أجبته أقرب مستشفى بسرعة لو سمحت أسندت مريم رأسها على كتفي كانت رائحتها خليطًا من العرق والدواء الرخيص والخوف همست بصوت ضعيف ماما
ما تقوليش لبابا قلت بعدين نتكلم. وعديني لكنني لم أستطع الرد لأن البيت الذي عشت فيه سنوات كان ممتلئًا بأشياء كثيرة أهمها الكذب في طوارئ مستشفى الحسين، أدخلتها الممرضة فورًا عندما رأتها تمشي بتلك الحالة سألتني بسرعة بقالها كده من إمتى؟قلت حوالي تلات أيام رفعت الممرضة رأسها نحوي بصدمة واضحة. تلات أيام بالألم ده كله؟خفضتُ عيني وهمست أبوها كان بيقول إنهالكن الكلمات اختنقت داخل فمي شعرت بالخجل من إكمال الجملة وصل الطبيب بسرعة وما إن ضغط بيده على بطن مريم حتى صرخت لم تكن صرخة دلع كانت صرخة جعلت كل الموجودين في الطوارئ يلتفتون نحونا قال الطبيب فورًا عايزين تحاليل وأشعة حالًا ثم نظر إليّ مباشرة البنت خدت أي أدوية؟ أي حاجة غريبة؟ ممكن تكون شربت مادة معينة؟قلت بسرعة لا بس شوية مسكنات وشاي يانسون فجأة، أمسكت مريم يدي بقوة قوة أكبر من المعتاد الطبيب لاحظ ذلك فورًا ثم قال بهدوء يا مريم محتاج أتكلم معاكي لوحدنا شوية شعرت ببرودة غريبة تسري في رقبتي قلت فورًا أنا أمها. عارف لكن ضروري هزّت مريم رأسها بعنف. لا مش عايزة اقتربتُ منها حبيبتي في إيه؟امتلأت عيناها بالدموع وقالت كلمة واحدة فقط مفيش لكن تلك الكلمة شعرتُ بها كأنها باب يُغلق بقوة في وجهي طلبوا مني الانتظار خارج الغرفة بدأ هاتفي يهتز بشكل متواصل حسام ثماني مكالمات فائتة ثم رسالةإنتِ فين؟وبعدها ثانيةلو خدتيها المستشفى من ورايا قسماً بالله هتندمي ظللت أحدق في الشاشة
طويلًا ولأول مرة منذ سنوات لم أشعر بالذنب شعرت بنفور لم أشعر به من قبل بعد حوالي عشرين دقيقة، خرج الطبيب ووجهه لم يكن طبيعيًا لم يكن مجرد قلق كان هناك غضب مكتوم داخل عينيه قال بهدوء ثقيل مدام نجلاء بنتك محتاجة تدخل عملية فورًا شعرتُ أن ساقيّ لم تعودا تحملاني. عملية؟ عندها إيه؟قال في التهاب متقدم جدًا ولو اتأخرنا أكتر كان ممكن يوصل لتسمم خطير في الدم وضعت يدي على فمي لكن الطبيب أكمل بصوت أخفض وفي حاجة تانية فجأة شعرت أن أصوات الطوارئ كلها اختفت لا أجهزة لا خطوات لا شيء قال الطبيب ببطء لقينا علامات مقلقة محتاجة تفسير وبعضها مش جديد لم أفهم أو ربما لم أرد أن أفهم قلت بسرعة يعني وقعت؟ اتخبطت مثلًا؟سكت الطبيب لثوانٍ طويلة وفي ذلك الصمت فهم جسدي الحقيقة قبل عقلي قال أخيرًافيه إجراءات لازم تتعمل لحماية البنت شعرت أن الأرض تتحرك تحت قدمي. حضرتك بتقول إيه؟في تلك اللحظة، بدأ بكاء مريم يخرج من داخل الغرفة لم يكن عاليًا بل كان بكاء شخص مرعوب وفجأة سمعت صوتًا أعرفه جيدًا عند الاستقبال حسام كان يصرخ بعصبية أنا أبوها! لازم أشوف بنتي حالًا!رفع الطبيب عينيه نحوي مباشرة وقال بجدية جاوبيني بصراحة بنتك هتبقى بأمان لو دخل عندها؟لم أستطع الرد لأن مريم، من داخل الغرفة، صرخت بكل القوة التي بقيت فيها ما تدخلوش! هو عارف اللي حصلي نظرتُ إلى حسام، ثم إلى الطبيب وعرفت أن ما سيقال بعد هذه اللحظة سيغيّر حياتنا كلها، وتفاصيله في
الجزء الثاني.