ابنتي ذات الخمسة عشر

لمحة نيوز

نظرتُ إلى حسام، ثم إلى الطبيب وعرفت أن ما سيقال بعد هذه اللحظة سيغيّر حياتنا كلها.
خرج صوت مريم مكسورًا من داخل الغرفة، لكنه كان كافيًا ليجعل قسم الطوارئ كله يصمت للحظة طويلة.
توقّف حسام عند الاستقبال.
كان شعره مبعثرًا، وفوق ملابس البيت ارتدى جاكيتًا بسرعة، بنفس الطريقة التي كان يفعلها دائمًا عندما يريد أن يبدو وكأنه الرجل المرهق الذي يظلمه الجميع.
نظر إلى الطبيب.
ثم إليّ.
ثم نحو الباب الذي كانت ابنتي تبكي خلفه.
وقال ببرود
البنت حرارتها عالية أكيد مش واعية للكلام اللي بتقوله.
ثم أشار نحوي بعصبية
قولي لها تبطل تمثيل بقى.
في الماضي، كانت تلك الجملة تكفيني لأتراجع.
كانت تجعلني أشك في نفسي.
أخفض صوتي.
وأحاول تهدئة الموقف بأي طريقة.
لكن تلك الليلة لم يحدث شيء من ذلك.
تقدّم الطبيب خطوة للأمام وقال بحزم
حضرتك مينفعش تدخل دلوقتي.
ضحك حسام ضحكة قصيرة باردة.
أنا أبوها.
رد الطبيب مباشرة
وهي قالت إنها مش حاسة بالأمان معاك.
كلمة الأمان دخلت صدري كأنها شيء ثقيل.
لأنني عشت سنوات داخل بيت لا يعرف تلك الكلمة أصلًا ومع ذلك كنت أسمّيه بيتًا طبيعيًا.
حاول حسام الاقتراب من الباب، لكن فردي أمن وقفا أمامه فورًا.
الممرضة التي استقبلتنا رفعت صوتها
الأخصائية الاجتماعية جاية حالًا.
نظر حسام إليّ وقتها.
ولأول مرة خفت منه بطريقة مختلفة.
ليس على نفسي.
بل لأنني أدركت فجأة أن تلك النظرة ليست جديدة على مريم.
قال بين أسنانه
إنتِ هتندمي على اللي بتعمليه ده.
كانت يداي ترتجفان، لكنني أخرجت هاتفي وفتحت الكاميرا.
نظر إلى الهاتف بدهشة واضحة.
قلت
عيد كلامك تاني.
تجمّد مكانه.
ولأول مرة منذ خمسة عشر عامًا، رآني أمسك شيئًا غير الخوف.
فتح الطبيب الباب قليلًا وقال بسرعة
مدام نجلاء لازم ندخلها العمليات حالًا.
شعرت أن الهواء اختفى من حولي.
حالًا؟
الالتهاب متقدم جدًا ومينفعش نستنى أكتر.
من خلفه، رأيت مريم على السرير الطبي.
ذراعها موصول بالمحاليل، وعيناها

ممتلئتان بالرعب.
في تلك اللحظة لم تبدُ كفتاة في الخامسة عشرة.
بدت كطفلة صغيرة تبحث عن يد أمها وسط كابوس.
ركضت نحوها.
أنا هنا يا حبيبتي.
أمسكت يدي بقوة وهمست
ما تسبنيش معاه.
شعرت بشيء يتمزق داخلي.
مش هسيبك أبدًا.
ضغطت على أصابعي أكثر.
ثم قالت بصوت مرتعش
بابا ضربني.
لم يهتز المكان.
لم يحدث شيء درامي.
لكن قلبي توقف عن الدفاع عن حسام في تلك اللحظة.
قلت بصوت يكاد لا يخرج
إمتى؟
بدأت تبكي بهدوء.
يوم التلات سمعني وأنا بقول للأخصائية في المدرسة إني عايزة أتكلم معاكي ولما رجعت البيت شدّني من الشنطة وخبطني في الترابيزة.
أغلقت عيني للحظة.
كانت الكلمات تدخل جسدي كالسكاكين.
قالت
وقال لي لو قلتلك هيخليكي تفتكري إني بكذب.
بدأ السرير يتحرك نحو غرفة العمليات.
سرت بجانبه وأنا بالكاد أتنفس.
همست مريم
أنا كنت خايفة يضربك إنتِ كمان.
تلك الجملة وحدها سرقت مني سنوات كاملة من العمى.
ابنتي لم تكن تخفي الأمر خوفًا مني.
كانت تحاول حمايتي.
وصلنا إلى باب العمليات في مستشفى الحسين.
رائحة المطهرات الثقيلة، وأصوات الأجهزة، وخطوات الأطباء السريعة كل شيء بدا بعيدًا وكأنه يحدث داخل حلم سيئ.
أعطتني الطبيبة ورقة توقيع.
لازم موافقة سريعة.
وقّعت فورًا دون أن أقرأ.
لم يكن هناك شيء أهم من أن تبقى ابنتي حيّة.
قبل أن تدخل، نظرت إليّ مريم فجأة وقالت
موبايلي
ماله؟
في الملاحظات فولدر أزرق الباسورد تاريخ ميلادي.
ثم أُغلق الباب.
وبقيت وحدي.
خلفي، كان حسام ما يزال يصرخ عند الاستقبال.
يتحدث عن المصاريف والفضائح وإن البنت متأثرة بالإنترنت.
جلست على الكرسي البلاستيكي وفتحت هاتف مريم.
وجدت الملف الأزرق.
وفي داخله شيء حطم ما تبقى مني.
صور لكدمات.
رسائل.
تسجيلات صوتية.
وملاحظات قصيرة كتبتها ابنتي وكأنها تخشى أن يراها أحد.
لو حصل لي حاجة يبقى حسام السبب.
ماما مش شايفة حقيقته لأنه بيتغير قدامها.
بطني وجعتني بعد ما خبطني لكنه قال لو رحت المستشفى هيقول إني بألف قصص.

أنا تعبت.
نفسي ماما تصدقني.
بدأت الشاشة تهتز أمام عيني من الدموع.
ثم فتحت تسجيلًا صوتيًا.
خرج صوت حسام منخفضًا وباردًا
إنتِ مش هتخربي بيتي يا مريم أمك متعرفش تعيش من غيري.
ثم صوت ارتطام قوي.
بعده بكاء مكتوم.
ثم صوت ابنتي
بطني بتوجعني
ورد حسام ببرود
يبقى تتعلمي تسكتي.
وضعت يدي على فمي حتى لا أصرخ.
جلست الأخصائية الاجتماعية بجانبي بهدوء.
كانت تُدعى ميرفت.
قالت وهي تنظر للهاتف
متحذفيش أي حاجة.
هززت رأسي فورًا.
مش همسح حاجة.
سألتني
هترجعي البيت معاه؟
نظرت نحو حسام.
كان ما يزال يتحدث بثقة الرجل الذي يظن أن صوته يكفي لإخافة الجميع.
لكنني هذه المرة لم أعد أراه كبيرًا.
رأيت فقط الرجل الذي كانت ابنتي تخافه أكثر من الألم نفسه.
قلت ببطء
لا.
كانت أول مرة أقولها بصدق.
سألتني ميرفت
عندك مكان تروحيه؟
فكرت فورًا في أختي هبة.
شقتها الصغيرة في فيصل.
صوت أولادها العالي.
المطبخ الضيق الذي كانت تصنع فيه الشاي طوال الليل عندما يضيق صدر أحد.
قلت
أيوه عند أختي.
كتبت شيئًا في الملف أمامها.
ثم قالت بهدوء
يبقى الليلة دي مش هترجعوا البيت.
نظرت نحو الأرض.
كانت جملة بسيطة.
لكنها شعرتني كأنني أقف على حافة حياة جديدة لا أعرف عنها شيئًا.
طوال سنوات، كنت أرتب حياتي حول بقاء البيت هادئًا.
أختار الصمت بدل المشاكل.
أقنع نفسي أن مريم حساسة زيادة.
أن حسام عصبي فقط بسبب الشغل.
أن كل البيوت فيها خوف صغير يختبئ داخل الجدران.
لكن الحقيقة كانت تجلس الآن فوق ركبتي داخل هاتف ابنتي.
ولم يعد هناك مكان للهروب منها.
مرّت ساعة كاملة وأنا أحدق في باب العمليات.
كلما فُتح الباب، كنت أقف فورًا.
ثم أعود للجلوس عندما يخرج مريض آخر أو ممرضة أخرى.
في الرابعة فجراً تقريبًا، خرج الطبيب أخيرًا.
نهضت بسرعة حتى كدت أسقط.
قال أولًا
البنت بخير.
انهرت بالبكاء فورًا.
شعرت أن ساقيّ
لم تعودا تحملاني.
لكن الطبيب أكمل بصوت متعب
الزائدة كانت منفجرة والالتهاب كان منتشر بشكل خطير.

وضعت يدي على وجهي وأنا أبكي بصمت.
ثم قال
لو كانت اتأخرت ساعات إضافية، الوضع كان هيبقى أصعب بكتير.
ومن بعيد، سمعنا حسام يصرخ
أنا قلتلكم دي بتمثل!
لكن الطبيب تجاهله تمامًا.
وقال بجدية
وكل العلامات والإصابات موثقة في التقرير الطبي.
في تلك اللحظة اقترب ضابط شرطة من حسام.
وتغير وجهه للمرة الأولى.
لأول مرة رأيت الخوف الحقيقي في عينيه.
بدأ يتحدث بسرعة
دي مراتي والبنت متوترة بس وإحنا هنحل الموضوع في البيت.
لكن أحدًا لم يتحرك.
أحد رجال الأمن وقف بجانبه.
والأخصائية الاجتماعية أغلقت الملف بهدوء.
والضابط قال
لازم حضرتك تيجي معانا شوية.
ضحك حسام بعصبية.
هو أنا مجرم؟
لكن ضحكته خرجت أضعف من المعتاد.
نظر إليّ مباشرة.
قولي لهم الحقيقة يا نجلاء.
الحقيقة.
تلك الكلمة التي عشت سنوات أهرب منها.
رفعت هاتف مريم أمامه.
ورأيت وجهه يتغيّر فورًا.
هناك لحظات يسقط فيها القناع بالكامل.
وكانت تلك واحدة منها.
اقترب مني وهو يهمس بغضب
إنتِ فاكرة إن حد هيصدقها؟
لكن هذه المرة لم أشعر بالخوف.
شعرت فقط بالتعب.
تعب سنوات كاملة من الصمت.
قلت بهدوء
أنا صدقتها.
ساد الصمت للحظة.
ثم أخذ الضابط حسام بعيدًا.
لم يصرخ هذه المرة.
بدأ يتحدث عن المحامين والمعارف والناس التي يعرفها.
لكن صوته كان يبتعد شيئًا فشيئًا حتى اختفى تمامًا خلف باب الطوارئ.
وعندما دخلت إلى غرفة مريم بعد انتهاء العملية، كدت أبكي من جديد.
كانت شاحبة جدًا.
شفتيها جافتين.
وأسلاك الأجهزة تحيط بها من كل جانب.
جلست بجوارها بهدوء.
وأمسكت يدها بحذر.
لأول مرة منذ سنوات، شعرت أن ابنتي صغيرة فعلًا.
ليست قوية.
ليست تبالغ.
ليست حساسة.
بل طفلة كانت تحاول النجاة وحدها داخل بيتها.
مررت يدي فوق شعرها ببطء.
وتذكرت كل اللحظات التي طلبت فيها مني أن أسمعها ولم أفعل.
تذكرت عندما أصبحت تنغلق داخل غرفتها بالساعات.
عندما توقفت عن الضحك على مائدة العشاء.
عندما بدأت تأكل قليلًا ثم تدّعي أنها شبعت.
وعندما أصبحت
ترتب كلماتها قبل أن تتحدث أمام أبيها.
كنت أرى كل شيء
لكنني كنت أخاف من الاعتراف بمعناه الحقيقي.
في الصباح، وصلت أختي هبة إلى المستشفى.
كانت ترتدي إسدال الصلاة فوق ملابس البيت، وشعرها غير مرتب، وكأنها خرجت فور سماع الخبر
تم نسخ الرابط