كان زوجي
بتمعّن.
لأن الرؤية الحقيقية تعني أن عليكِ أن تتصرفي.
سألت أخيرًا بصوت منخفض
يزن هل قال والدك يومًا شيئًا عن عمك سامر؟
بقي يزن ينظر عبر النافذة.
صمت طويل.
ثم قال
أبي كان يبكي كثيرًا قبل أن يموت.
اشتدت يداي فوق المقود.
والدك كان يبكي؟
أبي وعم سامر كانا يتشاجران في المرآب. أبي قال له أن يبتعد عن بيتنا.
شعرت بأن الهواء اختفى من حولي.
وماذا حدث بعد ذلك؟
عم سامر قال إنه أحب أمي أولًا.
توقفت أنفاسي.
ثم أكمل يزن
قال إن هذا ليس عادلًا.
بدأت أضواء الشارع تبدو ضبابية أمام عيني.
ليس بسبب المطر.
عادل مات بعد تلك الليلة بثلاثة أشهر.
أزمة قلبية مفاجئة.
ثمانية وثلاثون عامًا فقط.
وكان بصحة ممتازة.
يركض كل صباح.
حالة غير مفسّرة كما قال الأطباء.
تذكرت سامر في غرفة انتظار المستشفى يومها.
كان شاحب الوجه.
يرتجف.
وقد احتضنته بينما كان يبكي فوق كتفي.
وأنا
صدقت تلك الدموع.
أما الآن، فبدأ سؤال مرعب يطاردني
هل كان يبكي على صديقه؟
أم على شيء آخر تمامًا؟
أبعدت الفكرة عن رأسي فورًا.
كان عليّ أن أفعل ذلك.
لأنني لو تركتها تستقر داخلي، فلن أتمكن من متابعة القيادة.
لكنها بقيت رغم ذلك.
مثل حشرة عالقة بين زجاجتين.
هناك.
دائمًا هناك.
وعندما وصلنا أخيرًا إلى منزل مريم، كانت معدتي قاسية كالحجر.
فتحت مريم الباب مرتدية ملابس منزلية بسيطة، وعلى وجهها ابتسامة مرهقة.
لكن ابتسامتها اختفت فور أن رأت وجهي.
ماذا حدث؟
نظرت إلى يزن وقلت
حبيبي اذهب واغسل يديك في الأعلى.
تردد.
ثم قال بخوف
هل تعدينني أنه لن يأتي إلى هنا؟
عقدت مريم حاجبيها.
من؟
لكن يزن كان قد صعد الدرج راكضًا.
وفور اختفائه، أخرجت الرسالة من جيبي.
وقلت
يجب أن تقرئي هذا.
في البداية بدت مريم مشوشة.
ثم تعرفت على الخط.
وفجأة اختفى اللون من وجهها بالكامل.
لا
بدأت يداها ترتجفان وهي تقرأ.
عادل أحتاج منك أن تأخذ هذا السر معك إلى القبر
غطت فمها بيدها.
ورأيت عينيها تتحركان فوق كل سطر.
كل اعتراف.
سامر يعترف بأنه أحبها دائمًا.
سامر يعترف بغيرته.
من زواجها.
ومن طفلها.
ومن الحياة التي كان يعتقد أنها يجب أن تكون له.
كان يكتب عن الانتظار.
انتظار ظهور الشقوق.
انتظار أن يخطئ عادل.
انتظار أن تفهم مريم أخيرًا من الرجل الذي أحبها حقًا.
لكن عادل لم يمنحه تلك الفرصة أبدًا.
وفي الليلة التي سبقت موته، هدده بأنه سيخرجه من حياتهم إلى الأبد.
عدت أقرأ تلك الجملة مرة أخرى.
الليلة التي سبقت موته.
ومريم أعادت قراءتها هي الأخرى.
رأيت عينيها تتوقفان عندها طويلًا.
أطول مما ينبغي.
ثم رفعت نظرها نحوي.
لم تتكلم أيٌّ منا.
لم نكن بحاجة للكلام.
هناك أفكار أخطر من أن تُقال بصوت مرتفع.
لأنها بمجرد أن تُنطق
لا يمكن التراجع عنها أبدًا.
هناك أفكار تمر بصمت فقط بين امرأتين تجلسان في مطبخ بعد منتصف الليل.
عادل كان بصحة ممتازة.
عادل هدد بإبعاد سامر.
وبعد ثلاثة أسابيع
مات.
وفاة غير مفسّرة.
وضعت مريم الرسالة ببطء فوق الطاولة.
وكان الشيء الأكثر رعبًا
أن يديها توقفتا
عن الارتجاف.
لأن الأم حين تتوقف عن الارتجاف
يبدأ شيء آخر.
همست
هل تعتقدين أنه؟
لكنها لم تستطع إكمال السؤال.
وأنا أيضًا لم أستطع الإجابة.
لأنني لا
وربما لن أعرف أبدًا.
وربما تلك هي أقسى نقطة في الأمر كله.
لا يمكنك اتهام رجل اعتمادًا على الفراغات بين الأحداث.
لا يمكنك محاكمة شك.
ولا إثبات حدس.
يمكنك فقط أن تعيش معه.
كل يوم.
حتى آخر عمرك.
أخذت مريم نفسًا طويلًا.
ثم قالت بصوت هادئ بشكل مرعب
لن يقترب من ابني مرة أخرى.
كان صوتها مسطحًا.
هادئًا.
وذلك أكثر صوت مرعب يمكن أن تصدره أم.
ثم أمسكت يدي وقالت
شكرًا لأنك صدقتِه.
هو.
ليس أنا.
يزن.
لأن الأطفال يعرفون دائمًا.
قبل أن يسمح الكبار لأنفسهم بالاعتراف بالحقيقة بوقت طويل.
كان الوقت قد اقترب من منتصف الليل عندما عدت إلى المنزل.
كان سامر ينتظرني في غرفة الجلوس.
كل الأضواء مطفأة ما عدا مصباحًا صغيرًا.
كان جالسًا هناك وسط الظلام.
منذ متى؟
وماذا كان ينتظر؟
وفور دخولي، وقف مباشرة.
أين كنتِ؟
خلعت سترتي المبللة ببطء.
كنت في منزل مريم.
تغيّر وجهه فورًا.
لم يكن ذنبًا.
بل خوفًا.
ثم قال مباشرة
لقد أريتها الرسالة.
لم تكن سؤالًا.
لم أجب.
مرر سامر يديه في شعره بعصبية، وبدأ يمشي ذهابًا وإيابًا.
أنتِ لا تفهمين.
نظرت إليه طويلًا.
أبحث في وجهه عن الرجل الذي وعدني بحياة كاملة يوم زفافنا.
الرجل الذي احتضنني عندما ماتت أمي.
الرجل الذي بكى في جنازة عادل.
لكنني لم أجده.
ولأول مرة
لم أشعر إلا بالفراغ.
ليس فراغي أنا.
بل فراغه هو.
كأنني عشت سبع سنوات داخل منزل
ثم اكتشفت فجأة أنه لم يكن هناك أحد حقيقي داخله من الأساس.
بدأ يتكلم بسرعة.
قال إنه لم تكن هناك أي علاقة حقيقية بينه وبين مريم.
وأنه لم يرد أذية أحد.
وأنه
تركته يتحدث.
لم أعد بحاجة للتفسيرات.
كنت فقط أراقبه.
أراقب رجلًا يحاول بيأس إعادة لصق قناع تحطم بالكامل.
فكرت بعادل.
الأزمة القلبية غير المفسّرة.
الشجار داخل المرآب.
الثلاثة أسابيع الفاصلة بين الأمرين.
أردت أن أسأله.
فتحت فمي.
ثم أغلقته مجددًا.
لأن هناك أسئلة لا تُطرح عندما تكونين وحدك مع شخص في منتصف الليل داخل منزل صامت.
تلك الأسئلة تأخذينها معك وأنت تغادرين من الباب.
وفجأة قال سامر
لقد دمرتِ كل شيء.
وهنا ظهر سامر الحقيقي أخيرًا.
لم يكن يتألم.
بل كان أنانيًا.
لم يكن محطمًا لأن طفلًا عاش في خوف.
بل لأن خياله انهار.
راقبته طويلًا.
ثم قلت بهدوء
الشيء الوحيد الذي خسرته هو الوهم الذي كنت تعيش فيه.
تسارع تنفسه.
ثم قال
ما كنت أحاول حمايته هو الحقيقة.
نظر إليّ وكأنه لم يعد يعرفني.
وربما فعلًا لم يعد يعرفني.
لأن المرأة التي كانت تسكت حدسها ماتت هذه الليلة.
في مطبخ مريم.
في اللحظة التي أمسكت فيها يدي.
أخذت حقيبتي.
بدأ سامر يصرخ باسمي بينما كنت أتجه نحو الباب.
أعلى.
وأكثر غضبًا.
قال إنه يحبني.
وأنني أدمّر عائلتنا.
وأنني سأندم.
توقفت عند الباب.
لكنني لم ألتفت نحوه.
قلت فقط بهدوء
عادل كان بصحة ممتازة أليس كذلك؟
صمت.
صمت طويل جدًا.
طويل لدرجة أنني استطعت سماع صوت ساعة المطبخ.
لم أحتج أن أرى وجهه.
لم أكن بحاجة لذلك.
هناك أسئلة لا تحتاج
إلى إجابات.
يكفي فقط أن تُطرح.
حتى يعرف الطرف الآخر أنكِ تعرفين.
أو الأسوأ
أن يعرف أنكِ لا تملكين الحقيقة كاملة لكنكِ ستحملين ذلك الشك معك بقية
وهو أيضًا.
فتحت الباب.
وكان المطر يهطل فوق الشارع الفارغ.
ولم أنظر خلفي أبدًا.
هناك حقائق لا تُثبت أبدًا.
بل تبقى مجرد شكوك.
وأحيانًا
يكون الشك أقسى عقوبة يمكن أن يحملها إنسان.
لمن يعيش بها
ولمن يُجبر على العيش تحتها.