لقيت حماتي

لمحة نيوز

لقيت حماتي القديمة بتشحت في الشارع وده كان بداية حكاية قلبت حياتي.
اسمي محمود، عندي 32 سنة، وبشتغل مدير مبيعات في شركة مواد بناء في القاهرة.
عدّى أكتر من 3 سنين على طلاقي من مرام، وكنت فاكر إن كل حاجة ليها علاقة بالماضي ده اتدفنت خلاص خصوصًا أي حاجة تخص عيلة مراتي السابقة.
بس في اليوم ده، وأنا راجع من الشغل بعد ما خلصت شوية مقابلات مع عملاء، وقفت بالعربية عند إشارة جنب سوق شعبي، وفجأة سمعت خبط خفيف على الإزاز.
بصّيت لقيت ست كبيرة في السن، جسمها ضعيف، شعرها كله شايب، ولابسة هدوم قديمة باين عليها الزمن، ومدّت إيدها ناحيتي وهي بتقول بصوت واطي
يا ابني لو تقدر تديني شوية فلوس أجيب بيهم أكل.
اتجمدت مكاني.
الوش ده مستحيل أكون غلطان.
دي كانت حماتي السابقة.
حسّيت نفسي مش قادر أتنفس.
زمان، وأنا متجوز بنتها، كانت دايمًا ست شيك جدًا لبسها دايمًا نضيف وغالي، دهب بسيط بس واضح إنه تقيل، وطريقتها في
الكلام كلها تعالي كأنها جاية من عيلة كبيرة أوي.
هي كانت من أكتر الناس اللي كسرتني نفسيًا. كانت تضحكلي بسخرية وتقولّي ابن الأقاليم اللي فاكر نفسه بقى من ولاد العاصمة. وهي أصلاً اللي كانت بتأثر على مرام، وتخليها دايمًا تاخد صف عيلتها ضدي لحد ما الجواز بينا انهار.
ودلوقتي
قدامي.
واقفة مكسورة، بترتعش، مش قادرة حتى تبصلي في عيني، وإيدها ممدودة كأن طلب المساعدة تقيل

عليها.
ما ادّتهاش الفلوس فورًا.
طلعت محفظتي، وطلعت خمسين جنيه بس لساني اتربط.
خدت الفلوس بإيدين بتترعش، ووطّت راسها وقالت متشكرة بصوت يكاد يتسمع، ولفت بسرعة كأنها خايفة أسألها أي حاجة.
فضلت باصصلها وهي ماشية وقلبي بيدق بسرعة.
طول الطريق وأنا سايق، دماغي ما سكتتش.
سؤال واحد بس كان بيلف جوايا
إزاي وصلت لكده؟
فين مرام؟
إيه اللي حصل للعيلة اللي كانت شايفة نفسها فوق الكل؟
جزء مني كان عايز يمشي ويعمل نفسه ما شافش حاجة خصوصًا إن
الجروح القديمة لسه مأثرت.
بس جزء تاني الجزء اللي عاش معاهم يوم من الأيام، واللي كان بيناديها يا طنط باحترام، واللي حاول كتير يكسب رضاها مقدرش يسيبها كده.
لما دخلت في شارع ضيق ورا السوق، شغّلت العربية ومشيت وراها بهدوء من بعيد.
كانت ماشية بسرعة، وكل شوية تبص وراها كأنها خايفة حد يعرفها.
وفي الآخر وقفت قدام بيت قديم جوه حارة سقفه صاج، بابه حديد مصدي، والحيطان باين عليها الرطوبة. طلعت مفتاح من شنطتها وفتحت الباب ودخلت كأنها عايشة هناك من زمان.
ركنت بعيد شوية وحسّيت بقبضة في قلبي.
الموضوع مش بس إنها افتقرت
في حاجة تانية.
حاجة مستخبياها.
قربت بهدوء من الباب وقبل ما أخبط، سمعت من جوه كحة ناشفة قوية، وبعدها صوت راجل مبحوح بيقول
هتفضلي مخبية عنه لحد إمتى؟
اتسمرت مكاني.
مخبية إيه ومين المقصود بالكلام ده؟ 
اتسمرت مكاني.
مخبية
إيه ومين المقصود بالكلام ده؟
قلبي كان بيدق بصوت عالي لدرجة
حسيت إنه ممكن يفضحني.
قرّبت أكتر من الباب وودني لزقتها في الخشب القديم.
صوت حماتي طلع مهزوز
أنا أنا مش قادرة أقوله كفاية اللي هو فيه.
الراجل رد بعصبية مكتومة كفاية إيه؟! الراجل ده ليه حق يعرف! ده ابنه!
جسمي كله اتكهرب.
ابنه؟!
مين ابنه؟!
وقفت مكاني مش مستوعب وكأن حد سحب الأرض من تحت رجلي.
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة.
اتخضّيت واتقابلت عيني بعين حماتي.
لون وشها اتسحب وإيديها بدأت ترتعش أكتر من الأول.
م محمود؟!
صوتها كان مخنوق، كأنها شافت شبح.
دخلت من غير استئذان.
البيت من جوه كان أسوأ مما توقعت أوضة صغيرة، سرير حديد قديم، ومروحة بتلف بصوت مزعج وعلى السرير كان في راجل كبير، جسمه هزيل، وبيكح كأنه بيطلع روحه.
بصلي الراجل ده نظرة غريبة فيها معرفة.
وقال بصوت واطي أخيرًا جيت.
بصّيتله باستغراب هو أنا أعرفك؟
حماتي قاطعت بسرعة وهي شبه بتصرخ لا! امشي يا محمود امشي دلوقتي!
بس أنا كنت
خلاص دخلت في الدوامة.
محدش هيمشي قبل ما أفهم في إيه!
سكت لحظة وبعدين بصيت للراجل قول ابني مين؟!
الراجل أخد نفس بالعافية وبص لحماتي بنظرة فيها عتاب مش هتقدري تهربي أكتر من كده
وبعدين بصلي وقال
الولد اللي اتقالك إنه مات قبل ما يتولد عايش.
الدنيا لفت بيا.
إيه؟!!
بصّيت لحماتي، لقيتها بتنهار على الكرسي وبتعيط سامحني
يا محمود أنا السبب أنا اللي كدبت عليك.
حسيت بدموعي قربت تنزل من غير ما أحس.
كدبتي عليّ في إيه؟!
قالت وهي بتصرخ من العياط مرام كانت حامل منك قبل الطلاق وأنا خفت خفت إنك تفضل مرتبط بيها طول العمر وإن حفيدي يتربى في مستوى أقل مننا
ضحكت ضحكة مكسورة مستوى؟! ده أنتي دلوقتي بتش سكت وبلعت الكلمة
كملت وهي منهارة قلت للدكاترة يقولوا إن الجنين مات وخدنا الولد واديته لواحد قريبنا يربيه وقطعنا كل حاجة!
سكتت لحظة وبعدين بصّتلي بس ربنا ما سابنيش اللي أخد الولد مات ومراته رمت الطفل في ملجأ وأنا عرفت بعد سنين
قلبي كان بيتقطع.
وابني دلوقتي فين؟!
الراجل على السرير قال في دار أيتام وأنا اللي دورت عليه بس ما لحقتش أعمل حاجة قبل ما المرض يمكّن مني
قربت منه بسرعة اسمه إيه؟! فين المكان؟!
ابتسم ابتسامة
ضعيفة اسمه يوسف دار الرحمة في شبرا
حماتي كانت بتبصلي بخوف أنت هتعمل إيه؟
بصّيتلها نظرة عمري ما بصّيتها لحد هروح أجيب ابني.
سكتت لحظة وبعدين كملت بس قبل كده لازم أعرف حاجة.
قرّبت منها خطوة مرام كانت عارفة؟
سكتت وسكوتها كان الإجابة.
حسيت بحاجة جوايا اتكسرت بس في نفس الوقت، حاجة تانية اتخلقت.
إحساس إني بقيت أب.
لفيت وخرجت من البيت من غير ما أبص ورايا.
وأنا سايق، دماغي مليان صوت واحد بس
عندي ابن عايش ومستنيّ.
تاني يوم الصبح وقفت قدام دار الأيتام
وإيدي كانت بتترعش وأنا
بخبط على الباب.
مش عارف اللي جاي هيبقى بداية جديدة
ولا صدمة أكبر من كل اللي فات.
وقفت قدام باب دار
تم نسخ الرابط