الابن العاق حكايات صافي هاني
تراب، وصوت المزيكا اللي جوه القاعة بدأ يتدريجياً يختفي ويحل محله صوت صمت الشارع القاتل. مكنش معاه غير الورقة اللي كتبها أبوه، والشيك اللي مابقاش له قيمة بعد ما أحمد قفل كل الحسابات الضامنة.
مرت ساعة، ولقى نيرة خارجة من القاعة، بس مكنتش العروسة اللي بتبصله بحب؛ كانت نيرة اللي شافت المصلحة بتطير. قلعت الدبلة ورمتها في وشه وقالت بحدة
أنا مش هعيش مع واحد كداب.. أنت فهمتنا إنك صاحب كل حاجة، وأنت طلعت مجرد واجهة لأبوك.. اتمسح بيك الأرض وبيا معاك!
ياسين بصلها بذهول، وحاول يمسك إيدها نيرة، أنا لسه ياسين! أنا بحبك، وكل اللي عملته كان عشانك!
نيرة زقت إيده بقرف أنا حبيت الراجل اللي يقدر يسكني في فيلا ويركبني عربية أحدث موديل.. الراجل اللي طرد أبوه عشان منظره قدام ناسي، يجي في يوم ويطردني أنا كمان لو مصلحته تطلبت.. ابعد عني.
ركبت عربية والدها ومشوا، وسابوه لوحده في الضلمة.
في الوقت ده، أحمد كان خلص أكله وقام يتمشى على النيل. موبايله رن، كان محاميه
يا حاج أحمد، تم تنفيذ كل الإجراءات. الشركة دلوقتي تحت إدارتك الكاملة، وياسين ملوش أي صفة قانونية فيها. والشقة تم الحجز عليها لعدم سداد الضمان. تحب نرفع قضية استرداد الأموال اللي اندفعت في التجهيزات؟
أحمد سكت شوية، وبص لمنظر النيل وهو
لأ يا متر.. كفاية عليه كدة. أنا مش عايز فلوس، أنا كنت عايز ابني، وهو اللي اختار يبيعه. سيبه للدنيا، هي أحسن معلم.
بعد شهور، الناس في المنطقة بقوا يشوفوا شاب لابس هدوم بسيطة جداً، شغال في محل صغير لتصليح الموبايلات. الشاب ده كان ياسين. مكنش بيكلم حد، وعينه دايمًا في الأرض.
وفي يوم، وهو ماشي، شاف عربية أبوه القديمة مركونة قدام جامع. وقف بعيد، وشاف أبوه خارج من الجامع وشكله مرتاح ووشه منور، والناس بتسلم عليه بحب. ياسين كان هجري عليه يترمي في حضنه ويطلب السماح، بس افتكر جملة أنت مبقتش جزء من عيلتنا.
خاف يقرب، خاف يترفض بنفس القسوة. بس أحمد لمحه.. بص له نظرة طويلة، نظرة أب شاف ابنه وهو بيتكسر عشان يتصلح. أحمد ما ناداش عليه، ولا جرى عليه، بس وهو بيركب عربيته، ساب باب العربية اللي جنبه مفتوح ثواني، كأنه بيقول له لو اتعلمت الدرس بجد، الطريق لسه موجود.. بس المرة دي هتركب العربية دي مش عشان هي غالية، لكن عشان اللي سايقها هو اللي عملك راجل.
ياسين فهم الرسالة، وخطى أول خطوة ناحية العربية ودموعه نازلة، وهو عارف إن المشوار لسه طويل عشان يرجع ابن بجد.
ياسين وصل لباب العربية، وإيده بتترعش. حط رجله جوه العربية وقعد على الكرسي اللي جنبه، الكرسي اللي
أحمد فضل باصص قدامه على الطريق، ما بصش لياسين ولا بكلمة واحدة، بس كان سامع صوت شهقات ابنه اللي مكسور. ياسين مكنش قادر يتكلم، فضل يعيط بصوت مكتوم، وكأنه بيغسل كل السواد اللي كان في قلبه الشهور اللي فاتت.
أحمد دور العربية ومشي ببطء، وفي نص الطريق قال بصوت هادي ورزين
أنا مخدتش الإجراءات دي عشان أذيك يا ياسين.. أنا عملت كدة عشان أحميك من نفسك ومن الناس اللي كنت فاكر إنهم سندك. اللي يشتريك بفلوسك، يبيعك لما تخلص.. واللي يحبك عشان شكلك، هيتبرى منك لما تتعب.
ياسين رد بصوت مقطوع
أنا آسف يا بابا.. أنا مكنتش استحق أكون ابنك. أنا خسرت كل حاجة.
أحمد ابتسم ابتسامة خفيفة فيها وجع
أنت مكسرتش قلبي لما أخدت الشركة، ولا لما سكنت في شقة غالية.. أنت كسرت قلبي لما حسيت إنك مكسوف من الراجل اللي شال عنك الهم طول عمره. يوم الفرح، أنا مكنتش شايل هم الشيك اللي في جيبك، أنا كنت شايل هم اليوم اللي هتفوق فيه وتكتشف إنك بقيت لوحدك.
وصلوا قدام بيتهم القديم، البيت اللي ياسين كان رافض يسكن فيه أو حتى يزوره عشان مش من مستواه. أحمد طفى العربية
الشركة لسه موجودة، والشقة لسه موجودة، وكل قرش سحبته منك متشال في حساب باسمك.. بس مش هتاخد منهم مليم واحد دلوقتي. هتنزل بكره الشركة تشتغل موظف أمن على الباب.. عشان تتعلم تبص في وش الناس وتحترمهم قبل ما تبص في جيوبهم. ولما تتعلم يعني إيه قيمة الراجل بكلمته مش ببدلته، وقتها بس هترجع تمسك مكاني.
ياسين نزل من العربية، وبص للبيت القديم، وحس لأول مرة من سنين إنه مرتاح. دخل البيت، ونام على سريره القديم، وصحي تاني يوم الصبح، قلع بدلة العريس المقطوعة اللي كانت لسه في دولابه، ولبس لبس الشغل البسيط، ووقف على باب الشركة اللي كان مديرها في يوم من الأيام.
نيرة في الوقت ده كانت بتحاول تدور على عريس جديد غني، بس كل ما كانت تروح مكان، كانت الناس بتشاور عليها وتقول دي اللي سابت جوزها ليلة فرحه لما افتقر. خسرت سمعتها وخسرت اللي كانت بتدور عليه، لأنها ببساطة.. معندهاش أصل.
أما أحمد، فكان بيراقب ابنه من شباك مكتبه وهو واقف على الباب بيسلم على العمال بابتسامة حقيقية ويساعدهم في شيل الكراتين. في اللحظة دي، أحمد عرف إن الظرف الأبيض وصل فعلاً، بس مش الشيك اللي كان جواه، لكن الدرس اللي كان مكتوب في الورقة الصغيرة.
القصة خلصت، بس حياة ياسين الجديدة لسه بتبدأ.. حياة مبنية على الصدق،