الابن العاق حكايات صافي هاني

لمحة نيوز

لما وصلت فرح ابني ببدلة جديدة وفي إيدي ظرف أبيض، وقفني قبل ما أدخل وقال لي بهدوء يا بابا، الفرح ده للعيلة بس.. وأنت مبقتش جزء من عيلتنا. ابتسمت وقلت له ماشي يا ابني ومشيت، لآني في اللحظة دي كنت عارف إن موبايله هيقلب كل الموازين.
أصعب حاجة مكنتش إن الابن طرد أبوه من الفرح، الصعب إنه عمل كدة بهدوء وبكسوف، وفي الوقت اللي كانت فيه الكاسات بتخبط في بعض جوه وأهل العروسة بيضحكوا تحت الأضواء.
أحمد وصل وهو لابس بدلة رمادي غامق فصلها مخصوص لليوم ده، وجزمة بتلمع، وفي إيده ظرف أبيض فيه كارت تهنئة وشيك بمبلغ كبير لابنه الوحيد ياسين. مكنش معاه دعوة ورقية، ولا عمره تخيل إنه هيحتاجها، ده هو أبو العريس!
قبل ما يوصل لترابيزة الاستقبال، شاف ياسين خارج من القاعة. البدلة كانت مظبوطة عليه جداً، وشكله كان سعيد وفخور زي أي راجل بيبدأ حياة جديدة.
لحد ما شاف أبوه.
الضحكة اختفت من وشه فوراً.
قال وهو بيتلفت وراه عشان يتأكد إن ما حدش سامع بابا، أنت إيه اللي جابك هنا؟
أحمد ضحك ضحكة خفيفة من توتره، افتكرها هزار. هيكون إيه غير كدة؟ ده هو اللي ربي الولد ده لوحده من وهو عنده 5 سنين، وهو اللي دفع مصاريف تعليمه، وساعده في مقدم شقته، وسلفه فلوس يبدأ بيها مشروعه لما ما حدش كان مصدق فيه.
بس ياسين مكنش بيهزر.
أخده في ركن في الجنينة بعيد عن المعازيم، وهناك، وببرود غريب، قال الكلمتين اللي هدوا كل حاجة
يا بابا، الفرح ده للعيلة بس.. وأنت مبقتش جزء من عيلتنا.


في كلمات مش بس بتجرح، دي بتمسح كل ذكرياتك.
في ثانية، أحمد مابقاش شايف الراجل اللي لابس بدلة غالية، بقى شايف الطفل اللي كان بيعيط في حضنه لما كان بيتعرض لمضايقات في المدرسة، والمراهق اللي حضنه يوم ما دخل الجامعة، والابن اللي قاله في يوم أنت أحسن أب في الدنيا.
ومع ذلك، ياسين كان واقف قدامه بيكرر كلام نيرة اللي كانت بتزرعه في دماغه بقالها شهور.
الإهانة دي مبدأتش على باب الجنينة، دي بدأت من زمان، في ليلة عادية لما أحمد سمع بالصدفة حوار مكنش المفروض يسمعه. أهل نيرة كانوا دافعين أغلب تكاليف الفرح، وكان عندهم الفلوس والاسم والعلاقات، وظاهر كدة كان عندهم شرط واحد إن الأب ده ملوش مكان وسطهم. عربيته القديمة، ولبسه البسيط، ووجوده كله مكنش لايق على الحياة الجديدة اللي ابنه عايز يرسمها.
ياسين كان موطي عينه وهو بيتكلم. مكنش انفجار غضب، كان أوحش بكتير، كان استسلام.
امشي يا بابا، مالكش مكان هنا.
أحمد ضغط بإيده على الظرف الأبيض اللي كان جايبه بفرحة، وبقى فجأة تقيل زي الحجر. أي حد مكانه كان عمل فضيحة، كان زعق على الباب قدام المعازيم وقدام نيرة والكل.
بس هو لأ.
وده اللي خلى ياسين يستغرب.
أحمد أخد نفسه، وفرد ضهره، وقال بهدوء مكنش يتخيله
ماشي يا ابني. ده فرحك، وده قرارك.
ياسين بصله وهو متلخبط، وشبه مرتاح.
بعدها أحمد ضاف جملة أخيرة.
جملة قصيرة وهادية، مش باين إنها تهديد ولا وداع.
بس ما تنساش تبص في موبايلك.
ياسين كشر وقال موبايلي؟ ليه؟

أحمد ما ردش. لف وضهره ومشي لبركن العربيات وهو رافع راسه، كأنه راجل لسه بالع أكبر إهانة في حياته من غير ما يتكسر قدام حد.
بس الحقيقة كانت حاجة تانية خالص.
بقالها شهور، أحمد كان شايل سر أتقل بكتير من الظرف الأبيض ده. مكنش مجرد غضب أو كرامة مجروحة، كانت حقيقة اكتشفها في وقتها، حقيقة مكنتش هتنفع في خناقة ولا اعتذار متأخر. وكان قرار مأخدوش في لحظة انفعال، لكن في سكون، بوضوح تام لما عرف إنه كان مجرد وسيلة واترمت لما مابقاش ليها لازمة.
جوه، الفرح كان هيبدأ.
بره، ياسين كان واقف متسمر مكانة، قلبه بيدق بسرعة ونفسه مقطوع.
وقبل ما أحمد يدور عربيتة، لمحه في المراية ابنه بيمد إيده في جيب البدلة، بيطلع موبايله، وبيبص على الشاشة اللي نورت فجأة.
اللي ظهر هناك مكنش مجرد رسالة عادية.
وفي اللحظة دي، ولأول مرة في اليوم ده، ياسين هو اللي مكنش عارف يقف فين ولا يعمل إيه.
ياسين فتح الرسالة، ووشه اللي كان من شوية مليان فخر وكبرياء، فجأة بقى شاحب زي الأموات. الرسالة مكنتش كلام عتاب من أبوه، كانت عبارة عن صور لمستندات وتحويلات بنكية، وجملة واحدة مكتوبة تحتهم بما إني مابقتش من العيلة، فكل اللي باسمي يرجع لي.. والشيك اللي في الظرف كان آخر حاجة هتاخدها مني، بس أنت اخترت تطردني قبل ما تستلمه.
أحمد مكنش بس بيسدد فواتير؛ أحمد كان هو المالك الفعلي للشركة اللي ياسين شغال مدير فيها، وكان هو اللي ضامن القرض الضخم اللي ياسين أخده عشان يشتري الشقة اللي
هيعيش فيها مع نيرة. بمجرد ما أحمد بعت الإيميل الرسمي لمحامي الشركة قبل ما يوصل القاعة بدقائق، كل حاجة وقفت.
ياسين حاول يتصل بأبوه، بس الرقم كان خارج الخدمة. بص للقاعة اللي جوه، وشاف نيرة وهي بتضحك مع أهلها، وفجأة حس إن الحيطان بتلف بيه. القاعة الغالية، البدلة ال تكسيدو، المظاهر الكدابة اللي باع أبوه عشانها.. كل ده كان هيتهد فوق دماغه في أقل من 24 ساعة.
نيرة خرجت تدور عليه وهي بتنفخ بضيق ياسين! أنت فين؟ المعازيم بيسألوا عليك، وبابا عايز يبدأ الرقصة.
ياسين بص لها وهو مرعوب، الموبايل لسه في إيده، وبص للظرف الأبيض اللي أبوه رماه على الأرض وهو ماشي. نيرة شافت الظرف، داست عليه بجزمتها وهي بتقول بقرف إيه الورق الزبالة ده؟ ارميه ويلا ادخل جوه، مش عايزين نأخر الناس المهمة.
في اللحظة دي، ياسين افتكر كلمة أبوه ده قرارك. عرف إنه فعلاً اختار، بس اختار غلط. بص على طريق العربيات اللي مشي فيه أبوه، وشاف خيال العربية وهي بتختفي في الضلمة.
ياسين دخل القاعة، بس مكنش داخل كعريس منتصر؛ كان داخل وهو عارف إن بكرة الصبح لما يصحى، مش هيلاقي الشركة، ولا الشقة، ولا حتى نيرة اللي أهلها مش هيقبلوا بجوز بنته مفلس.
أما أحمد، فكان سايق عربيته القديمة وهو فاتح الشباك، بيشم هواء نضيف لأول مرة من سنين. مكنش حزين، كان حاسس بالراحة، لآنه أخيراً عرف مين اللي يستحق يفضل في حياته، ومين اللي مكانه بره القلوب.. وبره الحسابات.
ياسين فضل قاعد على الرصيف والبدلة
الغالية اللي كان فخور بيها بقت
 

تم نسخ الرابط