جـبروت الأم بقلـم منـي الـسـيد
لأن الأم بتقضي يومها كله حابسة نفسها في الأوضة قدام التلفزيون أو نايمة، ورامية شيلة البيت كلها على كتاف بنتها الكبيرة. الثانية: إن عصام أبوها، عارف بالظبط الذل اللي بنته فيه، بس كان دايماً يقول لها: استحملي واسكتي.. دي أمك وليها الجنة، والبيت لازم يمشي. والثالثة، ودي اللي جمدت الدم في العروق: فاطمة حكت إنها في ليلة، وهي عندها 14 سنة، سمعت أمها بتدردش مع جارتهم أم عبده. الأم قالت بضحكة باردة وهي بتشرب الشاي: يا اختي طول ما فاطمة موجودة في البيت، أنا مش محتاجة أدفع شلن لخدامة ولا شايلة هم عيل.. هي شايلة الليلة كلها ببلاش.
الجملة دي كانت رصاصة الرحمة على طفولة فاطمة. فهمت إن الموضوع مش فقر ولا تضحية، ده استغلال صريح. حياتها ومستقبلها وتعبها، تمنهم عند أمها أقل من ماهية شغالة.
الأم بدأت تعرق ببرود وبدأت تتهته: دي بتفهم الكلام غلط يا حضرة الظابط.. الواحدة بتبقى تعبانة وبتقول أي كلمتين لجارتها. وبعدين فيها إيه؟ هي مش لازم تشيل معايا؟ أنا ياما حملت وولدت وعملت قيصريات وتعبت! الأمينة بصت لها باحتقار: عندك كام عيل يا ست؟ 6.. والسابعة في السكة أهو. وردة ردت وهي بتحط إيدها على بطنها عشان تستعطفهم. ومين بالظبط اللي بيسرح بيهم طول النهار؟ بيفطرهم ويحميهم ويوديهم المدارس ويغير
الأم فتحت بقها وقفلتة، وبصت للسقف وهي مذهولة. العمة كريمة هي اللي ردت بغل: فاطمة! بنت عندها 16 سنة، هي اللي بتعمل كل ده لوحدها.. بقالها سنين. الأم لفت لكريمة زي حيوان محبوس: اسكتي أنتِ يا خرابة البيوت! أنتِ أصلاً ربنا مارزقكيش بعيال، هتعرفي إيه عن ضنايا وتضحيتي؟ مخلفكتش يا وردة.. كريمة ردت بقوة، بس عندي عينين بشوف بيهم بنت بتتدبح وبتنطفي، لدرجة إنها بقت زي الميتة اللي بتمشي على الأرض.
الأمينة طلعت اللاسلكي: محتاجين نبلغ نجدة الطفل فوراً. الأم اتجننت: لا! مفيش حد هيتدخل! دي بيوت وليها أسرار، والبيوت أسرار يا جماعة، مصلحة بنتي في بيتها! بس خلاص، مابقاش فيه مكان للمناورة. أمين الشرطة كان بيبلغ العمليات، والأمينة قربت من فاطمة: يا فاطمة، قوليلي الصراحة.. أنتِ عايزة تنامي في البيت ده النهاردة؟ لا. الرد طلع من فاطمة زي الطلقة. تحسي بأمان لو سبناكي هنا؟ لا.
الأم ضحكت بمرارة: يا حلاوة! يعني سايبة سريرك وأكلك وشربك وعاملة الفيلم ده عشان مش عايزة تغسلي كام غيار لأخواتك؟ الأمينة تجاهلتها تماماً وسألت فاطمة: بتضربي يا بنتي؟ مش ضرب إيد.. فاطمة اعترفت، بس بتدبحني بكلامها كل يوم. بتهددني وتقولي لو مغسلتيش للعيال تبقي جزمة وواطية، وإن البيت هيخرب بسببي، ولو عيل تعب يبقى ذنبه
في اللحظة دي، دخل عصام الأب. دخل بهدومه اللي عليها تراب الشغل وشكله مهلك. لما شاف الشرطة، وشه اتقلب ضيق: في إيه يا جماعة؟ إيه اللي بيحصل في بيتي؟ الأم جريت عليه وهي بتعيط دموع تماسيح: يا عصام إلحقني! بنتك اتجننت وعملت لنا فضيحة وجابت لنا الحكومة وعايزين ياخدوا العيال! عصام بص لفاطمة بنظرة مفيهاش أي حنية، نظرة كلها لوم: يا فاطمة.. ليه كدة؟ أمك حامل وتعبانة، أنتِ عارفة إن أعصابها بايظة.
فاطمة حست بالوجع اللي متعودة عليه، وجع الذنب اللي دايماً بيحملوهولها عشان تفضل مطاطية. بس المرة دي قالت بقوة: كان لازم حد في الدنيا دي يسمعني يا بابا. الظابط حط ورقة الكشكول قدام عصام. الأب عرف خط بنته، وملامحه بدأت تنهار. مكنتش شجاعة، كانت خزي؛ خزي واحد اتفضح إنه كان شريك في الجريمة بسكوته. أنا.. عصام بدأ يتلجلج. ماتفتحش بقك وتصغرنا يا عصام! الأم زعقت فيه. عصام بص لها وانفجر لأول مرة من سنين: أنتِ اللي صغرتينا يا وردة! أنتِ مابتعمليش حاجة غير إنك تخلفي وترمي لها الشيلة وهي اللي تحل لك مشاكلك!
السكوت ساد المكان. الأم ملقيتش كلمة تقولها. الأمينة هزت راسها وقالت: كده تمام. إحنا هنبلغ حماية الطفل، وبناءً على الحالة دي، فاطمة مش هتقضي ليلة هنا. هتروح مع عمتها بصفة
فاطمة في اللحظة دي انهارات من العياط. عياط وجع قديم بيطلع. نامت ليلتها في بيت عمتها كريمة، على سرير نضيف، في هدوء مكنتش تحلم بيه. نامت 12 ساعة متواصلة. ولما صحيت، مسمعتش صريخ عيل عايز يغير، ولا شافت جبل مواعين.. سمعت بس صوت عمتها وهي بتحضر لها الفطار في المطبخ. قعدت على السرير وعيطت تاني.. بس المرة دي دموع راحة.
الشهور اللي بعد كدة كانت عبارة عن تحقيقات وجلسات. الجيران شهدوا إن فاطمة هي اللي كانت بتغسل وتطبخ وتجري في نص الليل تجيب دواء لإخواتها. المحكمة محرمتش الأم من عيالها، بس أجبرتها هي والأب يجيبوا حد يساعد في البيت، وفاطمة مابقتش مجبورة ترجع. العمة كريمة خدت الوصاية عليها رسمياً.
بعد شهرين، الأم ولدت البنت السابعة، وسمتها أمل. فاطمة لما عرفت، محستش بكرة، حست بس بشفقة على البنت اللي لسه مولودة وهتدخل البيت ده. النهاردة، فاطمة كملت 17 سنة. عمتها جابت لها تورته شوكولاتة من المحل اللي على أول الشارع، وعزمت صحابها من المدرسة. وهي بتطفي الشمع، متممنتش الانتقام، ولا تمنت إن أهلها يتأسفوا لها، لأنها عارفة إن كبرياء أمها مش هيسمح لها. تمنت حاجة واحدة بس: إنها ماتنساش أبداً إنها لسه بنت من حقها تحلم، وإن مفيش حد في الدنيا ليه الحق يسرق شبابها ويخليها
تمت.