جـبروت الأم بقلـم منـي الـسـيد

لمحة نيوز

الأم كانت ماسكة ورقة صغيرة بصوابعها الاتنين، وكأنها ماسكة قنبلة موقوتة مستنية لحظة الانفجار. وفي الحقيقة، هي كانت فعلاً كدة. الورقة دي مكنتش مجرد شخبطة عيال، ولا واجب مدرسة، ولا حتى جواب حب مراهقة.. دي كانت شهادة حق. حقيقة كتبتها بنتها الكبيرة فاطمة، اللي عندها 16 سنة، في ليلة من الليالي اللي مابينامش فيها الوجع، لما مقدرتش تكتم السر أكتر من كدة.

الجو جوه البيت الضيق في حي شعبي بالقاهرة كان يخنق. بره كان صوت بياع الأنابيب بيصحي الحارة، لكن جوه الصالة اللي حيطانها مقشرة، كان السكوت تقيل زي الجبل. أمينة الشرطة، اللي كانت واقفة وحاطة إيدها على حزام الميري وعاقدة حواجبها، بصت للورقة بتركيز وسألت بحدة: إيه الورقة دي يا ست؟

الأم، وبقدرة ممثلة محترفة من بتوع مسلسلات الدراما، وشها اتغير في ثانية. ملامحها قلبت لكسرة وضعف، وصوتها بدأ يترعش بتمثيل متقن وهي بتقول: دي حاجات صعبة قوي يا حضرة الظابط.. وحطت إيدها على قلبها، فوق بطنها المنفوخة وهي حامل في العيل السابع.. بنتي عقلها تاه منها يا فندم. بقالها شهور متمردة ومبتسمعش الكلمة، وبتكتب تخاريف وأكاذيب لما بتجيلها حالة العصبية.

خيالات مراهقين يا سعادة الباشا.. اتهامات ملهاش أساس. أنا كأم ضحت بعمرها عشانهم مكنتش عايزة أفضحها، بس أهي وصلت بينا للحال ده.

فاطمة كانت واقفة جنب طبلية الأكل اللي لسه عليها آثار كوبايات الشاي، وحست بتلج بيجري في عروقها. مش عشان كلام أمها، لكن عشان فهمت الفخ اللي بيترسم لها. الأم كانت عايزة تطلعها مجنونة قدام الحكومة؛ عايزة ترسم صورة البنت المختلة الكدابة اللي محتاجة تتربط وتتحبس، عشان مفيش حد يصدق اللي مكتوب في الورقة.

الورقة كانت بتتهز في إيد الأم. فاطمة عارفاها حتة حتة؛ دي صفحة مقطوعة من كشكول الحساب بتاع المدرسة، لسه فيها علامة لبن بودرة واقعة عليها. فاطمة كتبتها من تلات شهور، الساعة اتنين بالليل، وهي بتهز أخوها ياسين اللي لسه مكملش سنة عشان يسكت ومايصحيش أمها تقوم تضربها. فاطمة خبت الورقة دي تحت المرتبة كأنها وصية، عشان لو جرالها حاجة، حد يعرف هي شافت إيه.

فاطمة، بصوت طالع من قهر محبوس في صدرها، قالت: هاتي الورقة دي يا ماما. الأم ابتسمت ببرود يخوف، وقالت: عشان إيه؟ عشان تقطعيها وتداري كدبك؟

في اللحظة دي، عمة فاطمة أخت أبوها الست كريمة، خدت خطوة قدام ووقفت

جنب فاطمة زي الحيطة السند: مهما كان اللي مكتوب يا ست، مش من حقك تذلي البنت وتلوي دراعها قدام الحكومة. أمين الشرطة اللي كان واقف مع زميلته مد إيده للأم وقال بلهجة مفيهاش هزار: هاتي الورقة دي يا ست، لو سمحتي.

الأم ترددت.. ثانية واحدة بس، ثانية من الرعب بانت في عينيها فضحتها أكتر من كل دموعها. ملقيتش مفر، وادتله الورقة. الظابط بدأ يقرأ، وزميلته قربت منه وبصت معاه. فجأة.. الحركة وقفت في الصالة. مفيش صريخ، مفيش انفعال سينمائي. اللي حصل كان أسوأ.. سكوت مريب. سكوت الناس اللي اتصدمت في حقيقة أكبر من خيالهم، حقيقة مكنوش مستنيين يلاقوها في بلاغ عادي عن بنت متمردة. مفيش حد في الأوضة كان مستعد للي هيحصل، والحقيقة اللي في الورقة كانت كفيلة إنها تهد البيت كله على اللي فيه.

الجزء الثاني: لحظة الحساب

فاطمة كانت بتبلع ريقها بصعوبة، وحاسة إن الهوا في الصالة خلص. عمتها كريمة ضغطت على دراعها بقوة عشان تطمنها وهي شيفاها بتترعش من فوق لتحت. كتبتي إيه في الورقة دي يا بنتي؟ كريمة وشوشتها في ودنها بخوف.

فاطمة مقدرتش ترد. عينيها كانت متعلقة بوش أمين الشرطة، اللي رفع عينه ببطء من فوق الورقة

اللي عليها بقع اللبن. نظرة الأمين اتغيرت تماماً؛ مابقاش شايف قدامه بنت متمردة أو مراهقة بتعمل مشاكل، بقى شايف إنسانة بتموت بالبطيء، وبقالها 16 سنة مستنية حد يسمعها بجد. يا بنتي.. الكلام ده حقيقي؟ سألها بصوت واطي فيه شفقة.

الأم، لما حست إن المسرحية اللي عاملاها بتبوظ، هجمت عليهم وهي بتشوح بإيدها في الهوا: كلام إيه؟ دي كلها أونطة في أونطة! البت دي بتمثل وعايزة تعمل دراما. من ساعة ما دخلت ثانوي وبقت تمشي مع بنات غريبة وهي بقت لسانها طويل. أنا أمها اللي شيلت وحطيت، أنا اللي ضحيت بعمري وشبابي عشان أربي السبعة دول في البيت ده! أمينة الشرطة بصتلها بجمود وقالت لها بلهجة حادة قطعت كلامها: السؤال مكنش ليكي يا ست أنتِ. لو سمحتي اسكتي خالص.

الأم اتسمرت مكانها، وبقها اتفتح من الصدمة إن فيه سلطة قدرت تسكتها في نص صالتها. فاطمة، بقلب بيدق لدرجة إنها حاسة بوجع في زورها، هزت راسها ببطء للظابط وقالت والدموع بتنزل من عينيها: أيوة.. كل حرف مكتوب حقيقي.

أمين الشرطة بص تاني للورقة. هناك، بخط صغير ومرعوش لبنت بتنهار نفسياً، فاطمة اعترفت بـ 3 حقائق تقطم الوسط: الأولى: إنها بقالها سنين هي

الأم البديلة لإخواتها الستة،

تم نسخ الرابط