خرجت تطالب بحقها… وبعد 14 سنة الأرض كشفت السر اللي محدش كان يتخيله
مش جزء من رصيف.
مش له أي معنى.
واحد منهم قال
مين يحط حاجة زي دي هنا؟
التاني رد
ارفع نشوف
رفعوا اللوح
وهنا
كل حاجة بدأت تتبدل.
تحته كان في حفرة صغيرة
طين
ومية راكدة
وريحة مكان مقفول من سنين.
وفي جوه الحفرة
كان في حاجتين.
شنطة لونها فاتح
وقديمة جدًا
وجنبها
بلوزة خمري.
لما الخبر وصلني
قالولي
تعالي في حاجة ممكن تخص والدتك
أنا من ساعتها وجسمي كله كان بيرتعش.
روحت وأنا مش شايفة قدامي
قربت من المكان
وبمجرد ما عيني وقعت على الشنطة
صرخت.
دي كانت شنطة أمي.
أنا عرفتها من أول نظرة.
حتى وهي متبهدلة
حتى وهي مغطية طين
حتى بعد السنين دي كلها
عرفتها.
قربت أكتر من البلوزة
إيدي كانت بترتعش
بس قلبي كان هيقف فعلًا لما شفت الكم.
فيه خياطة صغيرة
أمي كانت عاملاها بإيديها.
ساعتها
ما بقيتش قادرة أقف.
حسيت إن
14 سنة
14 سنة وإحنا بندور في المدينة كلها
وأثر أمي كان قريب مننا بالشكل ده؟!
تحت رجلين الناس؟
تحت لوح إسمنت؟
على بعد شوارع من بيتنا؟!
ساعتها بس
أول مرة الخوف اتحول
لحقيقة.
مش حقيقة كاملة
بس حقيقة تكفي تكسّر أي روح.
أمي ما سابتناش.
أمي ما راحتش بمزاجها.
كان في حاجة اتخبت.
وكان في حد
عرف يطمس الأثر سنين طويلة.
النيابة رجعت فتحت الملف.
وجمّعوا أقوالنا من جديد.
خدوا صور قديمة
وقارنوا البلوزة
وشافوا الشنطة
وكل مرة كانوا يقولوا نفس الكلام
في تطابق كبير
في احتمالات قوية
لكن
ولا مرة قالوا الجملة اللي كنت مستنياها.
ولا مرة قالوا
إحنا عرفنا الحقيقة
رجع اسم الست دي تاني
ربّة العمل القديمة.
اللي أمي خرجت تلاقيها.
لكن الغريب؟
ماكانش ليها أثر تقريبًا.
كأنها شبح.
كل ما نقرب من اسمها
يختفي.
كل ما نفتش وراها
الباب يتقفل.
وكل ما نسأل عنها
حد يغيّر الموضوع.
الجيران بقوا يهمسوا.
واحدة تقول
دي كانت ست قلبها جامد
واحد يقول
أنا سمعت إنها كانت تعرف ناس محدش يقدر يقرب منهم
وواحدة عجوز قالت قدامي جملة عمري ما نسيتها
الحاجات دي ما بتتحطش لوحدها
وساعتها
جمد الدم في عروقي من تاني.
لأنها كانت بتقول اللي أنا خايفة أقوله من سنين.
احتفظت أنا بالشنطة
واحتفظت بالبلوزة.
ما قدرتش أدفنهم.
وما قدرتش أسيبهم.
دول ما كانوش هدوم وبس
دول كانوا الدليل الوحيد
إن أمي كانت موجودة.
وإنها خرجت تطالب بحقها
وما رجعتش.
بعدها بفترة
وأنا بقلب في حاجتها القديمة
لقيت دفتر صغير بتاعها.
غلافه باهت
والورق مصفر
فضلت أقلب فيه وأنا بعيّط.
قوايم مشتريات
مواعيد شغل
ملاحظات عادية جدًا
لحد ما وصلت لآخر صفحة.
وكان مكتوب
الكرامة ما بتتطلبش الكرامة بتتنتزع
قفلت الدفتر وبكيت.
لأني وقتها بس فهمت
أمي كانت رايحة اليوم ده وهي مقررة ما ترجعش مكسورة.
كانت رايحة تاخد حقها.
لكن اللي قابلته هناك
كان أكبر من مجرد رفض يدفع فلوس.
ومن يومها
بقينا نعيش بشكل تاني.
مش بندور على واحدة ممكن ترجع
لا.
بقينا متمسكين بحكاية واحدة
لازم تتقال.
لازم تتعرف.
لازم ما تتدفنش زي ما اتدفنت حاجتها.
وفي كل سنة
في نفس اليوم
بنولع شمعة.
ونسيب مكانها فاضي على السفرة.
مش لأننا استسلمنا
لكن عشان نفتكر.
وعشان نقول للدنيا كلها
هي ما اختفتش.
هي اتخبّت.
ومن يومها
بقينا عايشين بحقيقة عمرها ما كانت سهلة.
أمي ما سابتناش بإرادتها
وما نسيتناش
وما هربتش.
اللي لقيناه بعد 14 سنة ما رجّعهاش
لكنه رجّعلنا يقين واحد
إن إحساسنا من أول يوم كان
وإن الست اللي خرجت الصبح تطالب بحقها
ما ضاعتش في الطريق.
هي خرجت عشان كرامتها
لكن اللي حصل بعدها فضّل مدفون سنين
لحد ما الأرض نفسها قررت تتكلم.