حـلم الـمصيف.. بقلم منــال عـلـي

لمحة نيوز

الورشة كانت عاملة زي خلية نحل مقلوبة، دوشة حديد بيخبط وصوت مكن يرج الأرض. ريحة الكاوتش المحروق والزيت كانت كاتمة على النفس—بتلزق في الجلد والهدوم وحتى في الشعر—لدرجة إن منال كانت بتحس إن نفوخها نفسه بقى ريحته عوادم وصناعة.
منال عدلت الطرحة على وشها، وبصت لقطع الغيار اللي قدامها بعين خبيرة وفاحصة. هي متعودة تركيزها يبقى زي الطلقة، بس النهاردة عقلها كان شارد ورافض يطاوعها.   بقلم منــال عـلـي 
بدل أرضية الورشة الخرسانية الرصاصي، كانت شايفة قدام عينيها بحر أزرق بيلمع.. وبدل زنة السيور والمكابس، كانت سامعة صوت الموج وهو بيكسر ب هدوء على الرملة.
بقالها سنتين مستنية الإجازة دي. سنتين توفير وحرمان.. لا جزمة جديدة، ولا خروجة حلوة، ولا حتى قعدة كافية مع صاحباتها. الغردقة. فندق "أول إنكلوسيف". أيام راحة وفسحة تحت شمس حنينة تدفي العضم، مش شمس المصنع اللي بتسوي الدماغ تحت الخوذة.
وفي وقت البريك، شافت عصام جوزها جاي عليها ونازل من العربية "الدوبل كابينة" بوش مايتفسرش، ملامحه متوترة وعينه مش عارفة تثبت في مكان متوفره على روايات واقتباسات 
— "يا منال، تعالي نتغدى بسرعة." زعق بصوت

عالي عشان يغطي على صوت المكن.
— "جاية يا عصام.. خير؟ شكلك شايل طواجن ستك ليه؟ حصل مشكلة في المخازن؟"
— "لا، كله تمام.. بس.. الحاجة كلمتني."
منال قلبها اتقبض. مكالمات "الست سعاد" حماتها عمرها ما كانت بتجيب بشارة خير. الست دي كانت عاملة زي "البلدوزر"—بتدوس على الكل عشان راحتها هي وبس.
وهما قاعدين في الكانتين، عصام بدأ يرمي الكلام وهو بيقلب في طبق المكرونة ببرود:
— "بصي يا منال.. أمي بتقول سيراميك الحمام بدأ يقع، وسقف المطبخ بقى لونه يسد النفس.. وبتقول إنها مكسوفة من الجيران والناس اللي بتدخل عندها."
— "وإيه المطلوب يعني؟" منال سابت الشوكة، ونفسها اتسدت في ثانية.
— "فأنا فكرت.. بما إننا واخدين الأسبوع إجازة، نروح نوضب لها الشقة ونبيضها."
— "إنت بتقول إيه يا عصام؟! الرحلة بعد ٣ أيام! التذاكر مدفوعة والشنط مقفولة! إنت واعي لكلامك؟"
عصام هرب بعينه وبص في الأرض:
— "ممكن نلغي.. هنخسر العربون بس مش مهم، الفلوس اللي معانا نجيب بيها مؤونة وتشطيب. البحر ملحوق عليه.. أمي بتعيط، بتقول الرطوبة تعباها ومش قادرة تاخد نفسها.".   بقلم منال علي 
منال بصتله بذهول.. مكنتش شايفة جوزها، كانت شايفة
واحد "عجينة" في إيد أمه، بيتشكل على هواها.
— "يعني ده عرضك؟ بدل الفندق والراحة، أروح أشيل شكاير أسمنت وأتنفس عفار؟" صوتها كان واطي بس يقطع زي السكينة. "أنا شقيت وتعبت عشان أشم شوية هوا قدام البحر."
— "بحر إيه وزفت إيه!" عصام خبط بإيده على التربيزة. "إنتي أنانية يا منال. أمي تعبانة وطالبة مساعدتنا وإنتي كل همك الفسحة والدلع؟ إحنا عيلة ولا لأ؟ تبييض شقة أمي أهم من أي مصيف."
الجزء الثاني: "كورس" الناصحين
بالليل، تليفون منال مابطلش رن.
أول مكالمة كانت من أمها:
— "يا منال، إوعي تعتبي عندي في الإجازة!" حذرتها من غير سلام. "أنا قالبه البيت وبنضف، وأبوكي قرر يغير رفوف المطبخ. اطلعي بره ودماغك فيكي، روحي اتبسطي مطرح ما خططتي وما تعبريش حد."
منال ابتسمت.. على الأقل في حد عاقل ومريح في العيلة دي.
بعدها كلمها خالد، أخو عصام:
— "أيوه يا منال.. سمعت إن أخويا رجع في كلامه وبيرقص على نغمة أمه تاني؟"
— "أيوه، عايز يبدل الغردقة بالمحارة والجبس."
— "إوعي توافقي!" خالد زعق في التليفون. "أنا كنت مغفل السنة اللي فاتت، ولبست في توضيب البلكونة لوحدي، وفي الآخر قعدت تطلع لي القطط الفطسانة في الشغل. هتسحب منك
آخر مليم وآخر نقطة مجهود.. وعصام بيختفي أول ما الست ترفع صوتها. انجي بنفسك."
أما الصدمة فكانت من أختها الصغيرة سارة، اللي دخلت عليها الشقة زي الإعصار:
— "سمعت الأخبار.. عصام كاتب على الفيس بوك: (العيلة أولاً).. يعني ناوي يضحي بمصيفك رسمي."
— "عايز يرجع التذاكر يا سارة.. بيقول مش هيكفي فلوس التشطيب لو سافرنا."
سارة نفخت بضيق:
— "العفن في ضميره هو! يا منال إنتي جرا ليكي إيه؟ لو وافقتي المرة دي، هيعاملك كأنك "دريل" شغال عنده طول العمر. ما تضيعيش مجهودك في الزعيق.. استخدمي غضبك ده وفاجئيه بالفعل."
بقلم منــال عـلـي 
البيت كان الجو فيه تقيل يقطع النفس. عصام عمال يتحرك في الشقة بتمثيلية الشهيد، وبيخبط في أدوات الشغل بصوت عالي.
— "أنا كلمت الشركة بكرة الصبح هروح أخد الفلوس اللي تتفضل. أمي اتفقت مع العمال وهيبدأوا يكسروا البلاط."
منال كانت قاعدة بمنتهى البرود بتقلب في مجلة، وجواها قرار حاسم زي السيف.
— "بكرة مش هتروح في حتة يا عصام." قالتها بهدوء يخوف.
— "نعم؟! ليه إن شاء الله؟ أنا الراجل وأنا اللي بقرر! والفلوس دي لينا."
— "فلوس المصيف دي مكافأتي أنا وشقايا في الإضافي. مرتبك إنت بيروح
في الجمعيات ومصاريف العربية.. نسيت؟"

تم نسخ الرابط