رواية كامله
بنت صغيرة اتصلت بالشرطة وقالت لهم بابا تحت أرضية الصالة! ولما الضباط حفروا تحت الخشب، اكتشفوا سرًّا مرعبًا كانت أمها مخبياه عن العالم كله!
كانت الساعة قرب منتصف الليل، لما رنّ تليفون الطوارئ في مركز الشرطة، وظهر صوت طفلة صغيرة بټعيط بشدة، وبتترجّى اللي بيرد عليها إنه يلحقها.
قالت بصوت مرتعش
أرجوك يا عمو، ابعتلي الشرطة بسرعة! بابا تحت أرضية البيت، وأنا خاېفة أوي!.
الضابط اللي كان ماسك سماعة التليفون سكت لحظة، وبعدها حاول يتكلم معاها بهدوء.
حبيبتي، اهدي بس وخدي نفسك. إنتِ اسمك إيه؟ ومامتك فين دلوقتي؟.
ردّت الطفلة وهي بتشهق من العياط
اسمي ليلي. ماما نايمة، وبابا بقاله خمسة أيام مش موجود. بس أنا عارفة هو فين! هو تحت أرضية الصالة!.
الضابط اعتدل في كرسيه، وبص لزميله اللي كان قاعد جنبه بيراجع البلاغات.
في البداية، افتكر إن الطفلة ممكن تكون شافت حلم مخيف، أو سمعت كلامًا من الكبار وفهمته بطريقة غلط.
لكن صوتها ما كانش صوت طفلة بتحكي حكاية من خيالها. كانت مړعوپة بجد، وبتتكلم بإصرار غريب.
سألها الضابط
طيب يا ليلي، مين قالك إن بابا تحت الأرض؟ إنتِ شفتيه بعينيكي؟.
سكتت البنت ثواني، وبعدها قالت
أنا حلمت بيه امبارح. كان واقف جنب الكنبة، وبيقولي إنه بردان أوي، وبعدها أشار على الأرض وقال لي أدور عليه هناك.
الضابط تبادل نظرة سريعة مع زميله.
الحكاية كانت غريبة، لكن اللي زاد شكه إن الطفلة أكدت إن أبوها عمره ما غاب عن البيت كل المدة دي من غير ما يودعها أو يكلمها.
قال لها
ومامتك قالتلك إيه عن بابا؟.
ردّت
قالت إنه راح يشتغل في مدينة تانية، وإنه هيرجع قريب. بس بابا عمره ما كان بيسافر من غير ما يحضني الأول!.
سكتت لحظة، وبعدها أضافت بصوت مليان خوف
أنا حاسة إنه هنا. أرجوك تعالى، أنا مش عايزة أفضل لوحدي.
الضابط ما بقاش قادر يتعامل مع المكالمة على إنها مجرد خيال طفلة.
سجّل عنوان البيت، وطلب من زميله تجهيز سيارة دورية، وقرروا يروحوا يتأكدوا بنفسهم، حتى لو ما كانش عندهم دليل واضح على وجود چريمة.
بعد حوالي عشرين دقيقة، وقفت عربية الشرطة قدام بيت صغير مكوّن من طابقين، في شارع هادي أغلب سكانه كانوا نايمين.
كان البيت شكله عادي جدًا، والأنوار مطفية في معظم نوافذه، باستثناء نور خاڤت ظاهر من ناحية الصالة.
نزل الضابطان من العربية، وطلعوا درجات المدخل، وبعدها خبطوا على الباب.
بعد لحظات، فتحت لهم ست في أوائل الأربعينات من عمرها.
أول ما شافت الزي الرسمي، وشها شحب للحظة، وإيديها اتشبثت بطرف الباب. لكنها سرعان ما حاولت تبتسم، وكأنها بتحاول تخفي ارتباكها.
قالت
أيوه؟ فيه حاجة؟ إنتوا جايين ليه في الوقت المتأخر ده؟.
ردّ أحد الضباط
مساء الخير يا مدام. إحنا جايين بخصوص مكالمة من بنتك، بلّغتنا فيها إن والدها مفقود، وإنها بتقول إنه موجود تحت أرضية البيت.
الست أطلقت تنهيدة طويلة، وهزّت راسها كأنها بتعتذر عن تصرف محرج.
وقالت بسرعة
أنا آسفة جدًا. بنتي خيالها واسع، وبتتخيل حاجات غريبة. جوزي مسافر شغل في مدينة تانية، وهي متعلقة بيه أوي، ووحشها، فبدأت تألف حكايات.
الضابط بصّ لها بتركيز، وسألها
يعني حضرتك متأكدة إنه مسافر؟.
ردّت من غير ما تتردد
طبعًا. هو قال لي إنه عنده شغل، وهيخلص ويرجع. مش فاهمة ليه بنتي اتصلت بيكم أصلًا.
وقبل ما الضابط يرد، سمعوا صوت خطوات صغيرة جاية من الممر.
ظهرت طفلة في حوالي السابعة من عمرها، لابسة فستانًا منقوشًا بالورود، وشعرها مبعثر، وعينيها حمرا من العياط.
أول ما شافت الضباط، جريت ناحيتهم وهي بتقول
إنتوا جيتوا! أنا كنت عارفة إنكم هتصدقوني!.
مسكت إيد واحد منهم، وشدّته ناحية الصالة.
تعالى،
هوريكوا مكان بابا بالظبط!.
الأم حاولت توقفها وقالت بعصبية
ليلي! كفاية بقى الكلام الفاضي ده! ارجعي أوضتك حالًا!.
لكن البنت تمسكت بإيد الضابط أكتر، وبصت له پخوف.
أرجوك، ما تمشيش. بابا هنا، أنا متأكدة.
الضابط طلب من الأم إنها تهدى، وبعدها سمح للطفلة إنها تدلّهم على المكان اللي تقصده.
دخلوا الصالة، وكانت فيها كنبة كبيرة، وطاولة خشبية، وسجادة سميكة مفرودة في منتصف الأرض.
ليلي وقفت جنب السجادة، وأشارت بإصبعها إلى مكان محدد.
وقالت
هنا. بابا تحت الخشب ده.
الضابطان بصّوا لبعض، وبعدها بدأوا يفحصوا الأرضية.
رفعوا السجادة بحذر، وظهرت ألواح خشبية لونها مختلف قليلًا عن بقية الأرض.
واحد من الضباط انحنى ناحية الأرض، ومرّر إيده فوق الخشب، ثم رفع عينيه للأم وسألها
هو حصلت أي تجديدات في الصالة مؤخرًا؟.
اتغيرت ملامح الست للحظة، لكنها ردّت بسرعة
أيوه، كان فيه شوية تصليحات. الأرضية القديمة كانت بايظة، وجوزي هو اللي غيّر الألواح بنفسه.
سألها الضابط
وإمتى حصل الكلام ده؟.
قالت
من كام يوم.
الضابط رجع يبص للأرضية، ولاحظ إن بعض المسامير شكلها جديد، وإن الفواصل بين الألواح فيها بقايا مادة بناء لسه ما نشفتش بالكامل.
كل حاجة كانت بتقول إن الجزء ده من الأرض اتغيّر مؤخرًا جدًا.
أما ليلي، فكانت واقفة في ركن الصالة، بتبص للمكان من غير ما تتحرك، وكأنها مستنية اللحظة اللي حد فيها أخيرًا هيصدقها.
لكن الأم بدأت تفقد هدوءها.
قالت بصوت أعلى
هو إنتوا ناويين تخلعوا أرضية بيتي عشان بنت صغيرة شافت حلم؟! الكلام ده مش معقول!.
الضابط رفع إيده بهدوء وقال
يا مدام، إحنا لسه بنتأكد من البلاغ. لو مفيش حاجة، مش هيكون فيه داعي للقلق.
لكنها ردّت بعصبية أكبر
أنا مش هسمح لكم تبوظوا بيتي! جوزي مسافر، وبنتي بتتخيل، والموضوع انتهى!.
الطريقة اللي كانت بتتكلم بيها خلت الشك يزيد عند الضباط.
طلبوا منها تقف بعيد عن مكان الفحص، وبدأوا يسألوا عن زوجها ومكان عمله وآخر مرة حد شافه فيها.
في البداية، حاولت تكرر نفس الكلام إنه مسافر في مهمة عمل، وإنه هيرجع قريب.
لكن لما طلبوا منها اسم المدينة اللي راحها، بدأت تتردد.
قالت اسم مدينة، وبعدها رجعت وعدّلت كلامها، وادّعت إنها مش فاكرة تفاصيل الرحلة.
الضابط الأكبر سنًا بصّ لزميله، وأدرك إن الموضوع محتاج تحقيق أوسع.
طلبوا التحقق من بيانات الزوج، واتصلوا بالجهة المختصة لمعرفة إذا كان قد سافر بالفعل أو ظهر في مكان عمله خلال الأيام الماضية.
وبعد وقت قصير، بدأت تظهر معلومات مقلقة.
زوج الست ما كانش راح الشغل من خمسة أيام.
وزمايله ما كانوش يعرفوا عنه أي حاجة.
كمان، مفيش حد من عيلته سمع صوته أو اتكلم معاه من وقت اختفائه.
كل الطرق اللي حاولت الأم تبرر بيها غيابه بدأت ټنهار واحدة وراء التانية.
الضابط رجع لها وسألها بوضوح
إنتِ متأكدة إن جوزك سافر؟ لأن المعلومات اللي عندنا بتقول إنه ما وصلش شغله، ومحدش شافه من خمسة أيام.
الست فتحت بقها عشان ترد، لكنها ما قالتش أي كلمة.
وفي اللحظة دي، ليلي قربت من الضابط وقالت بصوت هادي، لكنه كان مليان ۏجع
أنا قلت لكم إنه هنا.
بصّ لها الضابط، وشعر إن البلاغ اللي بدأ بمكالمة طفلة غريبة ممكن يكون وراه شيء أخطر بكتير مما توقع.
السر اللي كان مستخبي تحت الأرضية
بعد دقائق، وصل ضباط إضافيون إلى البيت، ومعاهم مسؤول من فريق التحقيق، بعدما ظهرت مؤشرات تستدعي تفتيش المكان بصورة رسمية.
كانت الأم قاعدة على الكنبة، بتحرك صوابعها بعصبية، وتشد في طرف البلوزة اللي لابساها. كل شوية تبص ناحية الباب، وبعدها ترجع عينيها للأرض، وكأنها بتحاول تلاقي مخرج من الموقف اللي بقت محاصرة فيه.
أما ليلي، فكانت واقفة جنب أحد الضباط، ماسكة