رواية كامله

لمحة نيوز

الفصل الثاني عشر

كان الصمت يملأ غرفة المعيشة بصورة غير مريحة، بينما جلس أبناء سليم أمامه بوجوه متجهمة، وكل واحد منهم يحمل في عينيه الكثير من الأسئلة التي لم يجد لها إجابة.

منذ دخول ندى إلى حياتهم، والأمور لم تعد كما كانت.

تغير سليم.

أصبح أكثر اهتمامًا بها، يدافع عنها في كل موقف، يسأل عنها إذا تأخرت، ويحرص على ألا تشعر بالغربة بينهم.

وهو الأمر الذي جعل أبناءه يزدادون شكًا.

رفع سليم عينيه إليهم بعدما طال صمتهم، وقال بهدوء:

— إنتوا عايزين تتكلموا معايا في إيه؟

تبادل الأبناء النظرات، حتى تحدث أحدهم أخيرًا:

— إحنا عايزين نفهم يا بابا... إيه حكايتك مع ندى؟

قطب سليم حاجبيه.

— حكاية إيه؟

تدخلت ليان بسرعة:

— يعني ليه بتدافع عنها بالشكل ده؟ وليه كل ما يحصل موقف بتقف في صفها؟ حتى لما إحنا بنسألك عنها بتتعصب وكأننا بنجيب سيرتها بطريقة غلط.

تنهد سليم بعمق، ثم أسند ظهره إلى المقعد.

— عشان هي تستاهل إني أقف جنبها.

رد أحد أبنائه بانفعال:

— بس إحنا مش فاهمين السبب!

نظر إليهم سليم طويلًا، ثم قال بصوت أكثر جدية:

— عشان أنا شايف فيها بنتي.

ساد الصمت.

اتسعت عيونهم بدهشة، بينما أكمل سليم:

— أيوه... بنتي.

قالها بوضوح شديد، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ فترة طويلة.

اقتربت ليان منه قليلًا وقالت باستغراب:

— بنتك؟ يعني إيه بنتك يا بابا؟

ابتسم سليم ابتسامة حزينة، وقال:

— يعني لما بشوفها خايفة، بحس إني لازم أطمنها. لما بتتعب، ببقى عايز أعرف مالها. ولما حد يظلمها، مبقدرش أقف أتفرج.

سكت لحظة، ثم أضاف:

— يمكن إنتوا شايفين اهتمامي بيها زيادة... لكن إنتوا مش عارفين هي عدت بإيه.

تبادل الأبناء النظرات.

تابع سليم:

— ندى دخلت حياتنا وهي محتاجة حد يحتويها، مش حد يحكم عليها. محتاجة تحس إن في مكان تقدر تكون فيه على طبيعتها من غير ما تخاف من الرفض أو اللوم.

قال أحد الأبناء بنبرة مترددة:

— بس إحنا افتكرنا إن...

قاطعه سليم بحزم:

— افتكرتوا إيه؟

صمت الابن.

رفع سليم صوته قليلًا:

— لو افتكرتوا إن في حاجة بيني وبين ندى غير إني شايفها بنت محتاجة لأبوها، يبقى إنتوا ظلمتوني وظلمتوها.

خفض الجميع أعينهم.

تابع سليم بنبرة أكثر هدوءًا:

— أنا مش طالب منكم تحبوها غصب عنكم، ولا طالب إنكم تعتبروا نفسكم مسؤولين عنها. أنا بس طالب حاجة واحدة...

رفع عينيه إليهم.

— متظلموهاش.

قالت ليان بصوت خافت:

— وإنت فعلًا بتعتبرها بنتك؟

ابتسم سليم للمرة الأولى منذ بداية الحديث.

— أكتر مما تتخيلي.

ثم أضاف:

— ويمكن أنا غلطت لما خبيت عنكم مشاعري ناحيتها، بس كنت خايف إنكم تفسروا اهتمامي بيها غلط.

اقترب أحد الأبناء منه وقال:

— طب ليه ما قلتلناش من الأول؟

أجابه سليم:

— عشان كنت مستني الوقت المناسب.

ثم نظر إليهم جميعًا وقال:

— والوقت ده جه.

ساد الصمت من جديد.

لكن هذه المرة لم يكن الصمت مليئًا بالشك.

كان مليئًا بالخجل.

قالت ليان وهي تنظر إلى والدها:

— يعني كل الفترة دي إحنا كنا فاهمين الموضوع غلط؟

هز سليم رأسه.

— أيوه.

ثم أردف بحزم:

— وعلشان كده من النهارده، أي حد عنده مشكلة مع ندى ييجي يتكلم معايا أنا. لكن محدش يواجهها أو يجرحها بكلمة لمجرد إنكم مش فاهمين علاقتي بيها.

نظر الأبناء إلى بعضهم، ثم عادوا ينظرون إلى والدهم.

قال أحدهم:

— حقك علينا يا بابا.

تنفس سليم براحة، وقال:

— أنا مش عايز حقّي... أنا عايز ندى تاخد حقها في إنها تعيش وسطنا من غير ما تحس إنها غريبة.

وفي تلك اللحظة، لم ينتبه أحد منهم إلى ندى التي كانت تقف عند مدخل الغرفة.

كانت قد سمعت كل شيء.

وضعت يدها على فمها محاولة منع دموعها من السقوط، بينما همست لنفسها:

— بابا...

ولأول مرة منذ سنوات، شعرت ندى أن الكلمة التي حرمت من قولها طويلًا، وجدت أخيرًا الشخص الذي تستحق أن تقولها له………….اخيرا احست بمعنى الابوة

تم نسخ الرابط