عشرين سنة وأنا أكره زوجة أبي ولم أنادِها يومًا «يا أمي»... وبعد وفاة أبي اكتشفت الحقيقة التي لم أفهمها طوال تلك السنين
وأنا؟
كنت لازم أرد عليها رد سخيف.
وكأن الرد الطبيعي واللطيف هيعتبر اعتراف مني بحاجة أنا رافضاها.
أقول مثلًا
عادي.
أو
هو كل يوم لازم تسألي نفس السؤال؟
وأوقات أعدي من جنبها من غير ما أرد أصلًا.
كنت مستنية منها مرة تزعل.
أو تعصب.
أو تقولي
أنا مش مضطرة أستحمل طريقتك دي.
لكنها مكانتش بتعمل كده.
كانت تتجاهل سخافتي تمامًا، وكأنها قررت من البداية إنها مش هتدخل معايا معركة.
ترجع ناحية المطبخ وتقول
طيب روحي اغسلي إيدك لحد ما أحطلك الغدا.
وأدخل أوضتي وأنا مقتنعة إني انتصرت.
لكن دلوقتي، لما بفتكر المشاهد دي، بسأل نفسي
انتصرت على مين؟
على ست كانت واقفة في المطبخ بتحضرلي الأكل اللي بحبه؟
كبرت وهي موجودة.
لو كنت تعبانة، كانت هي أول واحدة تلاحظ.
لو رجعت من المدرسة متضايقة، كانت تعرف من وشي حتى لو قلت إن مفيش حاجة.
لو عندي امتحان، كانت تفضل تسألني إذا كنت محتاجة حاجة.
ولو اتأخرت، كانت تستناني.
لكن رغم كل ده، أنا كنت عاملة بيني وبينها سور.
سور بنيته بنفسي، وكل سنة كنت بعليه أكتر.
عشرين سنة كاملة وأنا بعلم نفسي أكرهها.
عشرين سنة وأنا مصممة إنها مجرد مرات أبويا.
عمري ما قلتلها
يا ماما.
ولا حتى مرة واحدة بالغلط.
والأغرب إني تقريبًا عمري ما احتجت أنادي عليها أصلًا.
لأنها كانت دايمًا قدامي.
قبل ما أطلب، كانت موجودة.
قبل ما أنادي، كانت سامعاني.
وقبل ما أقول إني محتاجة حاجة، كانت في أوقات كتير بتكون فهمتها لوحدها.
لكن أنا مكنتش شايفة أي حاجة من دي بالطريقة دي وقتها.
كنت شايفة بس الست اللي اتجوزت أبويا بعد أمي.
وبس.
مرت السنين، وكبرت.
وبابا كبر هو كمان.
لحد ما جه اليوم اللي تعب فيه.
في البداية، كلنا افتكرنا إنها وعكة وهتعدي.
لكن الأمور حصلت بسرعة أكبر من قدرتي على استيعابها.
وفجأة...
بابا مات.
مفيش حاجة قدرت تجهزني للحظة دي.
مهما كنت كبيرة، ومهما كنت متخيلة إني بقيت مستقلة وقوية، فقدان بابا خلاني أحس إني رجعت طفلة صغيرة في لحظة واحدة.
البيت اللي طول عمري أعرفه اتغير.
صوته اختفى.
خطواته اختفت.
حتى الحاجات الصغيرة اللي مكنتش باخد بالي منها وأنا عايشة معاه، بدأت أحس بغيابها.
وفضي البيت عليا وعليها.
أنا وهي بس.
وقتها بدأت أحس إن وجودي معاها في نفس البيت غلط.
مش عارفة ليه.
يمكن لأن الرابط الوحيد اللي كنت مقتنعة إنه جامعنا اختفى.
هي مرات بابا.
وبابا مبقاش موجود.
إذن إحنا إيه بالنسبة لبعض؟
السؤال ده فضل يلف في دماغي.
مع إن الحقيقة إن الوضع مفرقش كتير عن أيام وجود بابا.
هو أصلًا كان معظم الوقت مشغول.
والست اللي كانت موجودة معايا كل يوم تقريبًا طول السنين دي كانت هي.
لكن بعد موته، كل حاجة بقت مختلفة في إحساسي.
بقيت لما أقابلها في الصالة أحس إن فيه صمت غريب بينا.
لما نقعد على نفس السفرة، أسأل نفسي إحنا قاعدين مع بعض ليه؟
ولما ألاقيها بتحضرلي الأكل بنفس الطريقة القديمة، كنت أحس إن المفروض المرحلة دي تكون انتهت.
يمكن كنت بحاول أهرب من البيت نفسه.
من الذكريات.
من غياب بابا.
ومن علاقتي الغريبة بيها اللي عمري ما حاولت أفهمها أصلًا.
وفي يوم، خدت قراري.
قررت أسيب البيت.
أستقل بحياتي.
وأعيش لوحدي بعيد عن كل حاجة تربطني بالماضي.
دخلت عليها وبلغتها بالقرار بمنتهى المباشرة.
قلت لها
أنا قررت أسيب البيت وأستقل بحياتي.
رفعت عينيها وبصتلي.
فضلت ساكتة ثواني، كأنها بتحاول تستوعب اللي قلته.
واضح إنها مفهمتش.
أو يمكن فهمت الكلمات...
لكنها مفهمتش ليه.
وأنا وقتها مكنتش أعرف إن القرار اللي كنت شايفاه طبيعي جدًا بالنسبة لي، كان بالنسبة لها حاجة تانية خالص...