رواية كامله
لو أختك جعانة تاكل. في البيت ده مفيش أكل بيروح في الزبالة.
دي كانت أول جملة سمعتها أول ما دخلت بيت أختي دانييلا في فينيكس، وهي حامل في الشهر السادس.
كنت سايقة حوالي أربعين دقيقة من بيت بابا وماما، وأنا حاسة بقبضة في معدتي بقالها كام يوم. دانييلا بقت بتتأخر جدًا في الرد على رسايلي، وكل ما أسألها مالك؟ تقوللي إنها تعبانة شوية، وكل مرة أحاول أقابلها تلاقي حجة غريبة تمنعنا.
واللي فتحتلي الباب كانت حماتها، إيفلين.
قالتلي بابتسامة مصطنعة، وهي بتفتح الباب على آخره
بيلا! يااه، إيه المفاجأة دي! ادخلي يا حبيبتي. داني بتستريح. إنتِ عارفة بقى الأمهات لأول مرة... كل حاجة بتوجعهم، وكل حاجة بتخوفهم.
ابتسامتها كانت حلوة، لكن عينيها مفيهاش أي ذرة ابتسامة.
البيت كان نضيف بشكل غريب... زيادة عن اللزوم.
ولا فنجان قهوة واحد كان متساب مكانه، ولا حتى بطانية متنية بشكل غلط.
إيفلين دخلت قدامي وهي بتتكلم من غير ما تسكت، كأنها بتقدم تقرير لحد مسؤول عنها.
قالتلي إنها بنفسها اللي بتتحكم في الأكل، وفي مواعيد فيتامينات الحمل، وساعات نوم دانييلا، وحتى كمية المية المسموح لها تشربها.
وبكل سلاسة قالت
جيسون بيشتغل ساعات طويلة أوي، فلازم حد يتابعها.
لكن أول ما دخلت أوضة النوم، دمي اتجمد في عروقي.
دانييلا كانت نايمة على جنبها، وبطنها المدورة باينة من تحت تيشيرت واسع، لكن وشها...
وشها كان نص الحجم اللي فاكرها عليه آخر مرة شوفتها فيها.
شفايفها ناشفة ومتشققة، وتحت عينيها هالات غامقة جدًا، ودراعاتها كانت رفيعة بشكل يخوف.
قعدت جنب السرير بسرعة ومسكت إيدها.
إنتِ جرالك إيه؟!
ضغطت على صوابعي بقوة وقالت
مفيش يا بيلا... أنا كويسة.
لكن عينيها راحت ناحية باب الأوضة بتوتر قبل ما تتكلم.
الحركة الصغيرة دي خوفتني أكتر بكتير من شكلها.
بصيت لها وسألت
جوزك فين؟
في الشغل.
وقبل ما ألحق أسألها أي سؤال تاني، دخلت إيفلين وهي شايلة صينية.
الغدا!
حطت طبق عميق على الكومودينو، وبصتلي بابتسامة كلها ثقة.
لكن الريحة وصلت لأنفي قبل حتى ما أبص جوه الطبق.
ريحة حامضة وتقيلة وفاسدة...
خليط مقزز من سمك بايظ، وزيت متسخ متسخن كذا مرة، وخضار مسلوق لدرجة إنه فقد شكله تمامًا.
حسيت معدتي اتقلبت.
بصيت جوه الطبق، لقيت كتلة رز متماسكة، وحتة سمك لونها غامق ومغطاة بطبقة ملح خشن بشكل مبالغ فيه، وكام قطعة لحمة مليانة دهون وغضاريف، وشوية ورق سلق دابل ولونه مائل للصفرة.
بصيت لإيفلين بصدمة وقلت
إنتِ بتأكليها ده؟!
ردت بكل برود
طبعًا. السمك مفيد جدًا للحامل. والملح الزيادة بيمنع شد العضلات وبيخلي البيبي يكبر قوي. زماننا إحنا الستات مكنّاش بالهشاشة دي.
دانييلا نزلت عينيها في الأرض، ودقنها بدأت تترعش.
قربت من الطبق وشميت الأكل تاني.
ريحة السمك كانت نفاذة بشكل غريب، شبه ريحة النشادر.
بصيت لإيفلين وقلت
الأكل ده بايظ!
ابتسامتها اختفت في لحظة.
إوعي تعلّميني إزاي أعتني بمرات ابني.
رديت عليها بعصبية
إنتِ مش بتعتني بيها! دي شكلها مريضة!
دانييلا مسكت دراعي بسرعة وهمست
بيلا... أرجوكي، متعمليش مشكلة.
في اللحظة دي فهمت.
دي مش أول مرة.
مسكت الطبق، وعديت من جنب إيفلين من غير ما أبصلها، وروحت ناحية الشباك ورميت الأكل كله في كيس زبالة تقيل كان موجود في حمام الأوضة.
إيفلين شهقت
إنتِ اتجننتي؟! اخرجي من بيتي حالًا!
طلعت موبايلي من جيبي وقلت
ماشي، أنا خارجة. بس دانييلا هتخرج معايا.
واتصلت ببابا فورًا.
بابا، أنا محتاجاكم تيجوا هنا حالًا إنت وماما. هاتوا العربية الكبيرة. ومتسألنيش دلوقتي... بس تعالى.
وأنا بحط هدوم دانييلا بسرعة في شنطة سفر، كانت قاعدة على طرف السرير وبتعيط في صمت.
وبصوت متقطع قالتلي
إنتِ متعرفيش اللي بيحصل هنا يا بيلا...
لكن وأنا بفتح درج الكومودينو اللي كانت بتحط فيه فيتامينات الحمل، لقيت حاجة خلت قلبي يقف.
حكايات_ليان
مفيش أي فيتامينات حمل في الدرج.
بدلها، لقيت علب أدوية فاضية، وأكياس محلول جفاف مقفولة، وكام ورقة مطوية من تقارير دكتور النساء والتوليد بتاعها.
فتحت واحدة منهم بسرعة.
وكان مكتوب بوضوح إنها لازم تاخد حديد وكالسيوم وحمض الفوليك، وكمان لازم تشرب سوائل بكميات كافية.
مفيش أي تعليمات تمنع الملح.
ولا أي تعليمات تحدد كمية المية اللي تشربها.
بصيت لدانييلا وسألتها
فين الفيتامينات بتاعتك يا داني؟
انهارت في العياط، من غير حتى صوت.
وبعد لحظات قالت
إيفلين قالتلي إنها بتخليني أرجع وأتعب... وخدتها مني من أسابيع.
بصيت لها بصدمة
والمية؟
سكتت شوية، وبعدين بصت في الأرض.
قالتلي لو شربت مية كتير هورم... والبيبي هيتأذي. وهي بتقفل إزازات المية الزيادة في المخزن.
حسيت النار طلعت لصدري.
غضب شديد خلاني آخد نفس عميق بالعافية عشان ما أصرخش.
لأن اللي اكتشفته وقتها خلاني أفهم إن أختي مكانتش بس بتخس... حد كان متعمد يضعفها.
حكايات_ليان
كنت حاسة بدمي يغلي في عروقي، وكل كلمة قالتها دانييلا كأنها سكين بيقطع فيّا. قعدت جنبها على السرير، مسكت إيدها اللي كانت باردة كالجليد، وقولتلها بصوت حاولت أثبته عشان ما أخوفها أكتر
متخافيش يا روحي. أنا معاكي. مش هسيب حد يأذيك ولا يأذي البيبي، حتي لو كانوا أهل جوزك نفسهم.
رفعت لي عينيها اللي كانت مليانة دموع، وقلت قلبى لما شفت نظرة اليأس والخوف اللي كانت فيها. دانييلا اللي كانت طول عمرها قوية، بتضحك دايماً، اللي كانت تدرس وتشتغل وتقوللي إن الحياة حلوة ومستنّاها حاجات كتير دي هي نفسها اللي قاعدة قدامي دلوقتي ضعيفة، وكأنها شخص تاني تماماً.
بيلا... هي مش سهلة، إيفلين... بدأت تقول بصوت ضعيف، وقبل