ثلاثون يوما بلا نوم
ثلاثون يوماً بلا نوم رعب التجربة السوفيتية في سنة ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين، كان الجو شديد البرودة. كانت هناك سيارة تابعة للجيش الروسي، الذي كان آنذاك تحت قبضة ستالين. كانت السيارة محملة بخمسة سجناء من الأسرى المحكوم عليهم بالإع دام، وحارس السجناء. كان السجناء مقيدين من أيديهم، وكان الحارس يرتدي قناعاً واقياً من الغازات الضارة ويمسك مس دساً من عيار ثمانية وثلاثين. حذّر الحارس السجناء بأن أي محاولة للهروب سيكون مصيرها الوحيد الموت، وظل طوال الطريق يراقبهم باحتقار. أما السجناء فلم يكونوا يعرفون المصير الذي ينتظرهم. بعد ساعتين وصلت السيارة إلى إحدى كتائب الاتحاد السوفيتي. نزل منها السجناء واستقبلهم مجموعة أخرى من الحراس يرتدون الزي نفسه. كان السجناء منهكين بسبب الشهور التي قضوها في السجون والمعاملة الوح شية التي تعرضوا لها هناك. أخذهم الحراس إلى غرفة صغيرة تشبه غرفة الاجتماعات، وكان فيها شخص جالس على مكتب يرتدي معطفاً أبيض، يُدعى الطبيب. عندما دخل السجناء بدأ يتحدث إليهم، وأوضح لهم أن المكان الذي هم فيه ليس كتيبة عسكرية، بل مختبر علمي يُجرى فيه تجارب بهدف تفوق الاتحاد السوفيتي علمياً وفي جميع المجالات. وقال لهم إنهم هنا من أجل تجربة، وإن هذه التجربة إن نجحت فستكون نقلة نوعية في تاريخ الاتحاد السوفيتي كله. قال لهم أنتم تعلمون أننا في زمن ح رب ونحتاج إلى تدريب أكثر، لكن الجنود أيضاً يحتاجون إلى الراحة والنوم حتى يتمكنوا من مواصلة التدريبات. فتخيلوا لو أن الجنود لم يعودوا ينامون أصلاً، فهذا سيمكنهم من التدريب لساعات أطول، وهذا بالتأكيد سيحدث فرقاً كبيراً معنا في الح رب. لقد ابتكرتُ أنا وفريقي غازاً يمنع الشخص من النوم، ودوركم هنا أن تعيشوا في غرفة لمدة ثلاثين يوماً، وسيُطلق هذا الغاز عليكم داخلها حتى تمر الثلاثون يوماً، وبعدها ستكونون أحراراً. وافق السجناء طبعاً، لأنه لم يكن لديهم خيار آخر، ولعل هذه تكون الطريقة الوحيدة للنجاة. بعد ذلك دخلوا الغرفة المجهزة لهذه التجربة وأُغلق الباب عليهم. كان الباب مغلقاً بإحكام حتى لا يتسرب أي غاز من الغرفة، وفيها نافذة من الزجاج المقوى وميكروفونات حتى يتمكن الفريق من التواصل مع السجناء خلال أيام التجربة. وكانت الغرفة تحتوي على كتب وحمام وطعام يكفيهم لأكثر من شهر، وأسرّة صغيرة ليجلسوا عليها، إذ كان من المفترض ألا يناموا طوال الثلاثين يوماً. وبدأت التجربة. أطلق الباحثون الغاز داخل الغرفة، فبدأ السجناء يشعرون بتغير في الجو وبأنهم أصبحوا أكثر تركيزاً. وكان الباحثون خارج الغرفة يراقبون الوضع حتى يبلغوا بأي طارئ، إذ إن زيادة نسبة الغاز قد تسبب تسمماً. مرّت أربعة أيام على التجربة دون أي شيء ملفت للانتباه، فكل شيء كان طبيعياً جداً باستثناء أن السجناء لم يناموا طوال تلك الفترة، وكانوا يقضون معظم وقتهم في القراءة أو الحديث فيما بينهم عن المعاملة السيئة التي كانوا يلقونها في السجون الروسية. لكن الأمر لم يستمر على هذا النحو، فمع انتهاء اليوم الرابع بدأت الأحداث تتغير. أخذ السجناء يبتعدون بعضهم عن بعض، فصار كل واحد يجلس في مكان لوحده دون أن يتكلم أحد مع الآخر. وبدأوا يتصرفون تصرفات غريبة كأنهم قد جنّوا. اقترب أحدهم من الميكروفون وأخذ يهمس فيه ويحكي أسراراً من حياته وكلاماً آخر لم يكن الباحثون يفهمونه. واستمر السجناء على هذا الحال حتى اليوم التاسع، فازدادت الأمور سوءاً. بدأ أحد السجناء يصرخ صراخاً شديداً متواصلاً ويجري في كل مكان داخل الغرفة. وبعد قليل أخذ الباقون يصرخون بالطريقة نفسها، والعلماء خارج الغرفة يراقبون كل ما يحدث. ثم قامت مجموعة من السجناء بتمزيق ورق من الكتب التي كانت لديهم وتبولوا عليه وألصقوه على الزجاج، مما حال دون أن يتمكن الباحثون من رؤية أي شيء داخل الغرفة. بعد ثلاثة أيام ظل أحد السجناء يصرخ صراخاً متواصلاً حتى انقطع الصراخ وصار المكان هادئاً تماماً. وقف الباحثون خارج الغرفة لا يعلمون ما يحدث، ولم يكونوا قادرين حتى على رؤية شيء داخلها. ففحصوا مستوى الأكسجين ونسبة الغاز فوجدوا كل شيء طبيعياً. حاول الباحثون مراراً التحدث إليهم عبر الميكروفونات، لكنهم لم يسمعوا سوى صوت هامس.
وفي اليوم الرابع عشر قرر الباحثون أنه لا بد من التدخل لمعرفة ما يجري. خاطب أحدهم السجناء قائلاً إنهم سيقتحمون الغرفة، وعليهم الالتزام بالتعليمات أن يرجعوا إلى الخلف ويناموا على بطونهم وأيديهم خلف ظهورهم، ومن يخالف التعليمات سيُق تل، ومن يلتزم بها سيُطلق سراحه. لكن الطبيب تلقى رداً غير متوقع؛ سمع صوتاً خافتاً يقول نحن لا نريد الخروج من الغرفة. صدمه الرد، فأمر فوراً بإيقاف الغاز واقتحام الغرفة. اقترب الحراس من الباب، وعندما فُتح فوجئوا بمشهد