رواية جديدة

لمحة نيوز

مرات أبويا كانت كل يوم تجيبلي الأكل بإيديها وتقول إنتي زي بنتي لكن تحليل واحد في المستشفى كشف إنها كانت بتعمل حاجة عمري ما توقعتها.
كنت في البداية مش مصدقة نفسي. قلت ممكن الدكتور غلط، ممكن التحاليل اتخلطت، ممكن يكون في حد تاني عمل فيا كده. لكن لما أبطلت آكل من إيدها، ورجعت ليا روحي من تاني، عرفت إن الشك ما كانش كذاب. وكل يوم يعدي، كنت بشوفها بعين تانية. الابتسامة اللي كانت تملأ وشها قبل كده، بقت شكلها مخيف كأنها قناع بتلبسه. الكلام الحلو اللي كانت تقوله لي، بيتردد في ودني كأنه طعنات في ظهري. وكنت مستخبية، مش عارفة أقول لحد، ومش عارفة مين اللي معاها في اللعبة دي.
لحد ما اليوم ده جه. عملت نفسي نازلة الشغل، قفلت الباب ورايا زي ما كنت بتفعل كل يوم، ونزلت السلالم ببطء، ورجعت بعد نص ساعة زي ما قلتلك. فتحت باب الشقة بهدوء تام، ومشيت على رجليا التقل لحد ما وصلت لباب المطبخ اللي كان مفتوح شويه. شفتها واقفة قدام كوباية العصير اللي كانت بتحطه لي كل صباح بلا استثناء. طلعت من جيبها زجاجة صغيرة لونها شفاف، وفيها سائل بلا لون، وبتحط منها كام نقطة في الكوباية وهي بتبص يمين وشمال كأنها خاېفة حد يراها. وقلبي كان بيدق بسرعة، كأنه هينفجر من مكانه، ولساني اتعقد ومش قادرة أنطق ولا كلمة.
وبعد ما خلصت، رفعت موبايلها واتصلت بحد. وقفت ساكنة أسمع كلامها. قالت وهي بتبتسم بضحكة خبيثة ما شفتهاش عليها قبل كده اطمن هي مش هتفتكر أي حاجة، وكمان شوية هتبقى تحت رحمتي بالكامل. كل اللي نحتاجه بس نصبر شوية، لحد ما أبوها يكتب الورق زي ما اتفقنا، ونبقى خلصنا كل حاجة. وسكتت تسمع اللي في التليفون، وفجأة سمعت الصوت ده، الصوت اللي كنت بحبه وأنا صغيرة، الصوت اللي كنت أعتبره سندي في الدنيا، الصوت اللي عمري ما تخيلت إنه يتكلم في حاجة زي دي.
قال بصوته المألوف اللي كان بيقوّي ظهري طول السنين تمام بس خليكي حذرة، مش عاوزين مشاكل في الوقت ده. لما تخلصي منها، الميراث هيتقسم بيننا وبقيتي أنا وأنتِ في الطريق، ولا حد يقدر يقف في وشنا.
أخويا!
كلمة نزلت عليا كالصاعقة. مشيت خطوة لورا من غير ما أشعر، وخبطت في باب المطبخ بخفيف. لاحظت الصوت ده، فسكتت مرات أبويا فجأة وقالت استنى، في حد هنا. خبأت نفسي ورا الحائط، وقلبي كان هيقف من الخۏف. شفتها طالعة من المطبخ وبتبص حولين الشقة، وعيونها بتدور عليا في كل ركن. حمدت ربنا إني كنت خفيفة الحركة، وإنها ما شافتني. رجعت بسرعة وخبطت نفسي في المرحاض، وقفلت الباب ورايا، وسندت ظهري عليه وأنا أتنفس بصعوبة، والدموع بتجري
على خدي من غير ما أقدر أمنعها.
أخويا! أخويا اللي كان بيجيلي كل شهر فلوس من مرتبه لما كنت في الكلية، أخويا اللي كان بيقولي أنا معاكي طول ما أنا عايش، أخويا اللي كنت أروح له في كل مشكلة أقابلها هو اللي بيتآمر ضدي مع مرات أبويا! هو اللي عاوزني أضيع، عشان ياخد حقي وينتفع بفلوس أبويا!
جلست في المرحاض أكتر من ساعة، وأنا مش قادرة أستوعب اللي سمعته. كل الذكريات الحلوة اتقلبت مرّة. كل كلمة حلوة قالها لي، بقت طعڼة في قلبي. وكل نظرة حنان من مرات أبويا، بقت خداع وغدر. خرجت من مكاني لما سمعت صوت باب الشقة يتقفل، عرفت إنها راحت. مسحت دموعي، وجمعت شتات نفسي، وقعدت أفكر بهدوء لأول مرة من يوم ما سمعت الخبر ده.
السبب؟ أبويا لما كان مريض في الفراش، قبل ما ېموت بفترة، كان كتب في وصيته إن الشقة اللي كنا عايشين فيها، والمحل اللي بيجيله ربح كويس، كلهم لي أنا. قال لي يومها يا بنتي، أخوكِ معاه شغله ومرتبه كويس، وأنتِ لسه في بداية حياتك، فده هيساعدك. وأنا كنت رفضت في البداية، قلت له أخويا يستاهل معايا، لكنه أصرّ وقال اللي قلتله قلتله، ومحدش ليه كلام غير كلامي.
يومها كنت حاسة إن أخويا تضايق شوية، بس قلت هيروح عليه، وإن الأيام هتثبته إن حبه لي أقوى من الفلوس. لكني كنت غلطانة. الفلوس كفيلة إنها تغير النفوس، وإنها تفرّق الناس، وإنها تجعل الأخ يبيع أخته، والزوجة تبيع أمانة زوجها اللي ائتمنها على بنته.
عرفت إنهم مستعجلين على توقيعي على تنازل عن الورث. وكل ما كنت أتأخر، كل ما كانوا بيضغطوا عليا. وهم عارفين إني لو كنت في كامل وعيي وصحتي، عمري ما كنت أتنازل عن حقي. فالحل اللي لقوه إني أبقى مش واعية، ومش عارفة أنا بعمل إيه. يبقوا ياخدوا مني التوقيع وأنا مش عارفة، وبعدها مفيش بعدها!
دمعت عينيا تاني، لكن المرة دي ما مسحتش دموعي. لقيت نفسي بتبدل. الخۏف اللي كان مالي قلبي، بدأ يتحول لڠضب. ڠضب على الغدر، ڠضب على الخېانة، ڠضب على إنهم فكروا إني سهل أكلها، وإنهم يقدروا يلعبوا بيا زي ما يريدوا.
قلت لنفسي لا. مش هتسمحي لهم يضيعوا حقك. أبويا ائتمنك عليه، وأنتِ لازم تردي له الأمانة. لازم تثبتي إن الغدر ما ينجحش، وإن الحق لابد يرجع لصاحبه مهما طال الزمان.
بدأت أحسب خطواتي بدقة. لازم دليل. كلمة سمعتها مش كفاية قدام المحكمة. لازم أثبت إنها كانت بتحط لي حاجة في الأكل والشرب. وقررت إنني أروح لدكتور تاني، وأعمل تحاليل شاملة، وأحتفظ بالنتيجة. وفي نفس الوقت، لازم أكون حذرة جدًا، وأكمل لعبهم معاهم، لحد ما أجمع كل الأدلة اللي تثبت جرمهم.
من اليوم ده،
رجعت أتصرف زي ما كنت بتعمل قبل كده. لما تجيلي الأكل، آكل قدامها، وأبقى مبتسمة، وأقول لها تسلمي يا ست الكل. لكن في الحقيقة، كنت بآكل جزء بسيط جدًا، والباقي كنت أخبئه في أكياس صغيرة وأحطها في مكان بارد، عشان أوديها للمعمل وتُفحص. وكنت أتظاهر بالدوخة والتعب قدامها، عشان تطمن إن خطتها ماشية زي ما هي عايزة. وكل ما شفتها تطمن، كل ما كانت تتكلم في التليفون بحرية أكتر، وكل ما كنت أسمع وأسجل كل كلمة تقولها.
في يوم، سمعتها بتقول لأخويا هي الحالة بتسوء كل يوم. الدكتور اللي اتفقنا معاه قال إنها لو استمرت على الحالة دي، هتبقى عاجزة عن التصرف، وساعتها نقدر نتصرف بسهولة. وأخويا رد عليها بكل برود كويس. خلصيها بسرعة، عشان ما حدش يحس بنا. الفلوس بتنتظرنا.
قلبي اتقطع وأنا بسمع الكلام ده. أخويا اللي كنت أفتخر به، بيقول على أخته خلصيها بسرعة! ما شفقش عليا؟ ما فكرش في يوم كنا نكبر فيه مع بعض؟ ما فكرش في أبويا اللي ربانا وعلمنا الخۏف من الله؟
كملت جمع الأدلة لمدة شهر كامل. جمعت عينات من الأكل والشرب اللي كانت بتبعته لي، وسجلت مكالماتها كلها، وذهبت لدكتور متخصص في السمۏم والأدوية، وشرحت له كل حاجة. الدكتور فحص العينات والتحاليل، وقال لي بصوت جاد المادة دي مهدئ قوي، وممنوع صرفها إلا بوصفة طبيب. ولو استمرت في أخذها،

تم نسخ الرابط