رواية جديدة

لمحة نيوز

قبل فرحنا بأسبوع، صحيت من النوم ملقتش أحمد في البيت... لكنه ساب وراه أغرب حاجة ممكن تتخيلها 10 أطفال ومسجّة قصيرة قلبت حياتي كلها.
لما عرفت أحمد، حسيت إني أخيرًا لقيت الشخص اللي كنت بدور عليه طول عمري. كان راجل محترم وحنين، وكرّس حياته كلها لتربية أولاده العشرة بعد وفاة مراته.
حبّيته من قلبي، ولما طلب إيدي للجواز وافقت من غير لحظة تردد.
لكن قبل الفرح بأسبوع، صحيت الصبح أدور عليه... ملقتوش.
في الأول افتكرت إنه نزل يجيب حاجة، لكن الساعات عدّت، ومفيش أي خبر عنه.
كنت خلاص هبلغ الشرطة، لحد ما لمحت ورقة على ترابيزة المطبخ.
فتحتها بإيد بترتعش، وكان مكتوب فيها
سامحيني... أنا مقدرش أكمل.
بس الصدمة الحقيقية إنه ما سابنيش أنا بس...
ساب أولاده العشرة كلهم واختفى كأنه فص ملح وداب!
أهلي كلهم ضغطوا عليّ وقالولي
دول مش ولادك... دخليهم دار رعاية وكمّلي حياتك.
لكن كل ما كنت أبص في عيونهم، كنت أشوف الخوف والوحدة.
وفي اللحظة دي أخدت أصعب قرار في حياتي...
قررت أربيهم كلهم كأنهم ولادي، مهما كانت التضحية.
عدّى 30 سنة.
كبروا واحد ورا التاني، واتخرجوا، واتجوزوا، وبقوا ييجوا يتغدوا عندي كل جمعة، لحد ما بقينا عيلة كبيرة، رغم إن مفيش نقطة دم بينا.
وكنت دايمًا مقتنعة إن القرار ده هو أحسن قرار أخدته في عمري.
لكن الأسبوع اللي فات...
حد خبط على باب البيت.
فتحت، لقيت راجل أنيق واقف قدامي، وقال
أنا أستاذ شريف، محامي.
ومدّ لي ظرف كبير، وقال بهدوء
دي وصية... وآخر رسالة من أحمد.
أول ما فتحت أول صفحة...
اتجمدت مكاني.
لأن الحقيقة اللي كانت مكتوبة جواها... هدمت كل اللي كنت فاكراه عن سبب اختفائه، وكشفت سر مستخبي بقاله 30 سنة كاملة وووووو
حكايات_زيزي
عدّى أسبوع على اختفاء أحمد، وكل يوم كنت بصحى وأنا مستنية أسمع صوته وهو بيفتح باب البيت... لكن الباب كان بيفضل ساكت.
الشرطة حررت محضر، وسألت كل الناس اللي تعرفه.
زمايله قالوا إنه أنهى كل شغله قبل اختفائه بيومين، وكأنه كان بيرتب لكل حاجة.
جيرانه قالوا إنه كان طبيعي جدًا، بيضحك مع الأولاد، واشترى لهم آيس كريم قبلها بيوم.
مفيش أي علامة تقول إنه كان ناوي يهرب.
لكن أكتر حاجة كانت مقلقاني... حسابه البنكي.
كان فيه مبلغ كبير، والمبلغ فضل زي ما هو.
ولا جنيه اتحرك.
وده معناه إنه مختفاش عشان فلوس.
الأولاد كانوا بيسألوا عنه كل ليلة.
بابا هييجي إمتى؟
وكنت كل مرة أبتسم بالعافية وأقول
قريب... إن شاء الله.
وأدخل أوضتي وأعيط لحد الفجر.
أصعبهم كان يوسف، أكبر الأولاد.
كان عنده سبعتاشر سنة، وبقى شايل مسؤولية إخواته من غير ما حد يطلب منه.
وفي ليلة، بعد ما الكل نام، خبط على باب أوضتي.
قال بصوت هادي
ماما... هو بابا سابنا بإرادته؟
الكلمة وجعتني.
لأنه لأول مرة حد منهم ينطق اللي كلنا خايفين منه.
قلتله
أبوك عمره ما كان أناني... أكيد فيه سبب إحنا لسه منعرفوش.
بصلي ثواني طويلة...
وبعدين طلع من جيبه مفتاح صغير قديم.
وقال
لقيته تحت مخدة بابا يوم اختفى... وخفت أقول لحد.
اتجمدت وأنا باخده من إيده.
المفتاح كان متعلق فيه قطعة نحاس صغيرة، محفور عليها رقم واحد بس...
27.
فضلت طول الليل أحاول أعرف ده مفتاح إيه.
جربته في كل الأدراج والخزن الموجودة في البيت...
ولا باب رضي يفتح.
لكن تاني يوم الصبح، وأنا برتب هدوم أحمد اللي عمري ما قدرت ألمسها من يوم اختفائه...
وقعت من جيب جاكيت قديم ورقة مطوية.
ولما فتحتها...
لقيت عنوان مكان عمري ما سمعت عنه قبل كده، وتحت العنوان جملة بخط أحمد
لو في يوم المفتاح ظهر... يبقى جه الوقت تعرفي الحقيقة فضلت ماسكة الورقة بإيديا وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من صدري.
العنوان كان في منطقة بعيدة، ومكتوب تحته تاريخ.
استغربت...
لأن التاريخ كان بعد يوم اختفاء أحمد بثلاثة أيام.
يعني هو كان ناوي يروح المكان ده...
أو كان عارف إن حد هيروح بداله.
لبست بسرعة، وسيبت الأولاد عند أختي، وانطلقت بالعربية.
بعد ساعات وصلت.
اتفاجئت إن العنوان مش بيت...
ولا شركة...
كان مخزن قديم على أطراف المنطقة، باين عليه إنه مقفول من سنين.
الباب الحديد كان عليه صدأ، لكن القفل كان جديد.
طلعت المفتاح اللي عليه رقم 27، وأنا مش متأكدة هيشتغل ولا لأ.
أول ما دخلته في القفل...
لف بسهولة.
وكأن القفل مستني المفتاح ده من تلاتين سنة.
فتحت الباب بحذر.
التراب مالي المكان، لكن في آخر المخزن كانت فيه غرفة صغيرة مقفولة.
دخلتها.
ملقتش دهب...
ولا فلوس...
لقيت صندوق خشب كبير، عليه اسم أحمد كامل بخطه.
جنبه ظرف مكتوب عليه
لا يُفتح إلا بواسطتها.
إيدي كانت بتترعش.
فتحت الظرف الأول.
كان فيه خطاب قصير.
لو وصلتي لهنا... يبقى أنا فعلًا مقدرتش أرجع. لكن قبل ما تعرفي أي حاجة، لازم تشوفي اللي جوه الصندوق. وبعدها هتفهمي ليه كان لازم أختفي.
بصيت للصندوق.
القفل بتاعه كان نفس شكل المفتاح...
لكن المفتاح اللي معايا ما كانش بيفتحه.
وفي قاع الظرف، لقيت ورقة صغيرة جدًا، مكتوب فيها
المفتاح الحقيقي مش عندك... هو مع الشخص الوحيد اللي عمره ما شكّيتي فيه.
وقتها حسيت إن كل اللي حواليا بيلف.
مين الشخص ده؟
وليه أحمد وثق فيه طول السنين دي؟
ولما رجعت البيت وأنا تايهة، لقيت قدام بابي عربية سوداء واقفة، ونزل منها راجل كبير في السن.
أول ما شاف المفتاح في إيدي، اتغير لون وشه وقال بصوت مرتعش
أخيرًا... كنت فاكر إن المفتاح ده اختفى للأبد بصيتله بذهول، وضميت المفتاح في إيدي أكتر.
قلت بحذر
إنت مين؟
اتنهد الراجل وقال
اسمي عم حسين... كنت صاحب أحمد من أكتر من أربعين سنة.
الاسم كان أول مرة أسمعه.
أحمد عمره ما جاب سيرته، ولا حتى مرة.
قلتله وأنا لسه واقفة على الباب
لو تعرف حاجة عن أحمد، اتفضل.
دخل وقعد، وبص حواليه.
البيت كان مليان صور الأولاد في كل مكان.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
كبروا... كنت متأكد إنك هتربيهم أحسن تربية.
سكت لحظة، وبعدين مد إيده.
ممكن أشوف المفتاح؟
ترددت...
لكن في الآخر اديتهوله.
أول ما شاف الرقم 27، دمعت عينه.
وقال
كنت فاكر إنه ضاع.
طلع من جيب الجاكيت سلسلة قديمة، متعلقة فيها مفتاح تاني أصغر.
حطه جنب المفتاح اللي معايا.
المفتاحين كانوا شبه بعض بشكل غريب.
كأنهم نصين لحاجة واحدة.
قال
الصندوق عمره ما كان بيتفتح بمفتاح واحد.
اتسعت عيني.
يعني... لازم المفتاحين مع بعض؟
هز راسه.
أحمد عمل كده بنفسه.
سألته بسرعة
ليه؟ وإيه اللي جوه الصندوق؟
بصلي نظرة طويلة وقال
أنا وعدته... إني مستحيل أقول كلمة واحدة قبل ما الصندوق يتفتح.
رجعنا للمخزن تاني.
أنا، وعم حسين.
وقفنا قدام الصندوق.
دخلت مفتاحي في الفتحة الأولى.
وهو دخل مفتاحه في التانية.
قال
لازم نلفهم في نفس اللحظة.
عدّ...
واحد...
اتنين...
تلاتة.
لفينا المفتاحين مع بعض.
وسمعنا صوت تك.
القفل اتفتح.
لكن قبل ما نرفع الغطا...
لفت نظري حاجة غريبة جدًا.
في وش الغطا من الداخل، كان فيه ظرف صغير متثبت بشريط لاصق.
وعليه بخط أحمد
لو عم حسين واقف جنبك دلوقتي... يبقى أول اختبار عدى. لكن قبل ما تفتحي الصندوق، اسأليه السؤال اللي عمره ما حب يسمعه.
رفعت عيني لعم حسين.
أول مرة أشوف الخوف الحقيقي في وشه.
وقبل ما أنطق بأي كلمة...
قال بسرعة
أرجوكي... اسألي أي حاجة غير السؤال ده بصيت له باستغراب.
قلت بهدوء
إزاي أعرف السؤال أصلًا؟
سكت شوية، وبعدين قعد على أقرب كرسي خشب كأنه فقد كل قوته.
قال بصوت واطي
أحمد كان أذكى واحد عرفته... كان عارف إنك هتعرفي لوحدك.
افتكرت كل السنين اللي فاتت.
افتكرت إن أحمد كان كل ما حد يسأله عن شبابه، يغيّر الموضوع.
ولما حد يسأله عن عم حسين، عمره ما نطق اسمه.
وفجأة خرج السؤال من غير ما أفكر
آخر مرة شوفت أحمد
 

تم نسخ الرابط