وقفت أمام موظف السجل المدني، أمسح عرقي بسبب الحر
وقفت أمام موظف السجل المدني، أمسح عرقي بسبب الحر والزحام، وأمد يدي بالبطاقة قائلةلو سمحت يا أستاذ، أريد استخراج شهادة ميلاد كمبيوتر لابنتي تالية لتقديمها في المدرسة أخذ الموظف البطاقة بلا مبالاة، أدخل الرقم القومي في الجهاز، فجأة تغيرت ملامحه. نظر إلى الشاشة، ثم نظر إليّ ورفع نظارته، ثم عاد ينظر إلى الشاشة مرة أخرى أنتِ اسمك نهى محمود السيد؟نعم يا فندم ومعك إثبات شخصية آخر غير هذه البطاقة؟إثبات آخر؟ هذه بطاقتي الساري المفعول ما الأمر يا أستاذ، هل في مشكلة في الأوراق؟نهض الموظف، أغلق شاشة الكمبيوتر وقال بصوت منخفض لكنه حاسميا مدام، هذه البطاقة مسجلة عندنا كمسحوبة، وصاحبتها صاحبتها متوفاة منذ ثلاث سنوات، وصدرت لها شهادة وفاة وإعلام وراثة أيضًا!شعرت وكأن الدم هرب من وجهي، ولم تعد رجلاي تحملاني متوفاة؟! ماذا تقول؟ أنا واقفة أمامك! زوجي أحمد هو الذي أرسلني الصباح لأنجز هذه الأوراق!يا مدام اخفضي صوتك شهادة الوفاة صادرة بتبليغ رسمي من الزوج شخصيًا أحمد كمال عبد الرحمن، ومرفق معها تقرير طبي يوضح سبب الوفاة دار المكان حولي. ثلاث سنوات؟ هذا تاريخ العملية الكبرى التي أجريتها بعد ولادة تالية، وكنت بين الحياة والموت لكنني قمت وعشت! أحمد زوجي الذي يعيش معي في البيت نفسه، وأنام بجانبه كل يوم، أصدر لي شهادة وفاة؟! لماذا؟!نادى الموظف على عسكري الأمنيا عسكري، احتجزي المدام هنا حتى أبلغ رئيس المباحث، هذه قضية تزوير وانتحال شخصية!في لحظة رعب، انطلقت غريزة الأمومة. تزوير؟ مباحث؟ وابنتي في الحضانة؟استغللت أن العسكري التفت بظهره، سحبت بطاقتي من على المكتب، وهربت خارج السجل المدني كأن كلابًا مسعورة تطاردني أخرجت هاتفي ويدي ترتجف، اتصلت بأحمد الرقم الذي طلبته غير متاح اتصلت بحضانة تالية، ردت المديرةألو نهى؟نعم يا أستاذة، أرجوكِ، تالية بخير؟ أنا قادمة لأخذها الآن كان صوت المديرة مستغربًا جدًاتأخذينها؟ أستاذ أحمد زوجك جاء منذ نصف ساعة وأخذها وقال إنك تعرضتِ لحادث كبير في الطريق وهو ذاهب إليك في المستشفى!سقط الهاتف من يدي. زوجي أبلغ أنني مت منذ ثلاث سنوات، واليوم أرسلني إلى السجل المدني بنفسه لأُعتقل، وفي الوقت نفسه ذهب وسحب ابنتي واختفى!أوقفت تاكسيًا وتوجهت إلى شقتنا في المعادي وأنا أشعر أنني في كابوس صعدت السلم لهاثًا، وضعت المفتاح في الباب فتح كانت الشقة هادئة جدًا. كل شيء في مكانه. لا ملابس ناقصة، ولا أي علامة على هروب مشيت في الشقة كالمجنونة أفتح الدواليب حتى دخلت غرفة مكتبه على المكتب، كان هناك ظرف بني كبير مفتوح اقتربت منه ببطء، قلبي يكاد يتوقف من الخوف. فتحت الظرف، فوجدت بداخله ثلاثة أشياءشهادة وفاتي الأصلية المختومة تذكرة طيران ذهاب بدون عودة ل أحمد وابنته تالية إلى دولة أجنبية موعدها كان منذ ساعتين!والثالثة ورقة مطوية مكتوب فيها بخط يدهلو تقرئين هذه الورقة، فأنتِ هربتِ من السجل المدني كما توقعت. لا تبحثي عنا يا نهى لم أفعل هذا من أجل المال ولا لأنني أكرهك، بل فعلت ذلك لأن الكاتبه نور محمدلو حابين تعرفوا إيه السر اللي خلى جوزها يعمل خطة زي دي عشان يختفي هو وبنتها، وازاي هي ميتة في الورق.. تفاعلوا وهنزل الجزء التاني والأخير حالاً!
أنا فضلت 5 سنين بحزن على بنتي.. لحد ما جوز بنتي المثالي نسي موبايله على ترابيزة المطبخ، ورسالة واحدة من أمه خلت الدم يتجمد في عروقي!
لمدة خمس سنين، كنت مصدقة إن بنتي ماتت.
بكيت فوق نعش مقفول.. وصليت جنازة على جثة مكنش مسموح جلي حتى أقرب منها أو أسأل في تفاصيلها.
كنت بشكر ربنا طول الوقت إنها قبل الحادثة اللي خطفتها مني، كانت على الأقل متجوزة راجل ابن حلال وباين عليه طيب.
الراجل ده كان إيهاب.
مؤدب.. شيك.. وخدوم.
نوع جوز البنت اللي يدخل عليكي بالفاكهة والحاجة الحلوة، ويسألك لو محتاجة حاجة من الصيدلية، ودايماً مبتسم كأن مفيش في قلبه نقطة سودا واحدة.
في الصبحية دي، مكنش فات عشر دقايق على خروجه، لما سمعت صوت زن موبايل على ترابيزة المطبخ.
كان نسي موبايله.
مكنتش ناوية ألمسه خالص.. أنا مش من الستات اللي بتفتش ورا حد.
بس فجأة الشاشة نورت..
وقبل ما أقدر أبعد عيني، شوفت الرسالة.
كانت من اسم متسجل ماما حميدة.
أم إيهاب.
نفس الست اللي بتاعت ربنا واللي دايماً بسبحتها، واللي قعدت تصوت وتلطم في جنازة بنتي فاطمة وكأن قلبها هو اللي اندفن يومها.
الرسالة كان مكتوب فيها
تعالى حالا يا إيهاب.. فاطمة حاولت تهرب تاني.
تاني!
مش مين فاطمة؟
ولا البنت دي.
ولا غلطة في الاسم.
ده اسم بنتي..
اسم بنتي اللي المفروض إنها تحت التراب.
ركبي سابت ومبقتش شايلاني في وسط المطبخ.
فوطة المواعين وقعت من إيدي..
ساعة الحيطة كانت بتتك وصوتها عالي..
بس بالنسبة لي، العالم كله وقف.
تاني.
الكلمة دي لوحدها عرفتني كل حاجة ومكُنتش فاهمة منها حاجة في نفس الوقت.
مش مرة واحدة.. دي تاني.
وده معناه إن بنتي مماتتش من خمس سنين.
معناه إنها كانت عايشة طول الفترة دي، وبتحاول تهرب..
وفي حد كان بيحبسها.
بإيد بتترعش، مسكت الموبايل.
إيهاب كان بيستخدم نفس الرقم السري من سنين، اللي فاطمة كانت دايماً بتهزر معاه وتقوله إنه سهل ومكشوف. لما الموبايل فتح، حسيت إني فتحت باب جهنم.
كان فيه رسايل.. رسايل كتير تخوف.
هي هايجة النهاردة ومغلبينا، اديها نص حباية من المنوم مش حباية كاملة.
الواد عبده صلح القفل بتاع البدروم.
لو حماتك سألت تاني على موضوع الدفن والورق، قولي لها كان فيه مشكلة في الإجراءات، ومتحكيش تفاصيل.
حطيت إيدي على بقي عشان مأصرخش.
نفسي ضاق وحسيت بمرارة في حلقي ملوش وصف.
وبعدين لقيت الصور.
صور ضلمة، في مكان زي القبو.
في واحدة منهم، جوه أوضة خرسانة مفيهاش غير لمبة واحدة سهاري، كانت فيه ست قاعدة على مرتبة قديمة على الأرض. كانت خاسة جداً.. وشها شاحب.. ولابسة شال قديم ومقطع. شعرها طويل ومنكوش.. وعينيها..
الأم عمرها ما تنسى عينين ضناها مهما شكلها اتغير.
دي كانت فاطمة.
بنتي.
عايشة.
محبوسة زي الفراخ في العشة في الضلمة، وأنا بقالي خمس سنين باكل في نفسي وبحزن عليها.
وفجأة سمعت الصوت.
صوت عربية إيهاب وهي راجعة في الشارع وداخلة على البيت.
أكيد افتكر إنه نسي الموبايل.
الموتور بطل قدام الباب.
رزعة باب العربية كانت زي دقة القلب.
والصوت ده هز جسمي كله زي طلقة الرصاص.
وقفت في مطبخي الصغير وأنا ضامة موبايله على صدري بكل قوتي، وكل حتة فيا بتترعش.. وحسيت بنار قادت جوايا قلبت كل حاجة.
الحزن لسه موجود..
بس مبقاش