كان زوجي يضع لي حبة

لمحة نيوز

الذي أخفيته داخل كيس أرز في المطبخ بعد أن وجدت الكاميرا داخل جهاز إنذار الحريق.
رفع كريم رأسه.
ما هذا الصوت؟
استمر الرنين.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
بعدها اشتغل تسجيل صوتي تلقائي.
كان صوت رنا، زميلتي في برنامج الماجستير.
قالت
ليلى، أنا أسمع كل شيء. الشرطة في الخارج. لا تغلقي الخط.
شحبت سهام.
أما كريم، فاندفع نحو الباب السري.
توقفت عن التظاهر.
رفعت ساقي فجأة وركلت الطاولة التي كان عليها المحقن.
سقطت الأدوات المعدنية على الأرض بضجة حادة.
وتدحرجت الإبرة تحت السرير الطبي.
استدار كريم نحوي پعنف وأمسك رقبتي.
أيتها الحقېرة.
ضغطت أصابعه على عنقي.
رأيت نقاطًا سوداء.
ورأيت ومضات من الضوء.
وفجأة، رأيت مطبخًا أصفر.
امرأة تغني وهي تقطع ثمرة بابايا.
رجلًا يصلح دراجة حمراء في فناء مليء بالأصص والنباتات.
ورأيت نفسي، طفلة صغيرة، أضحك.
نور.
اسمي لم يعد كلمة.
كان بابًا يُكسر من الداخل.
غرست القلم في يد كريم.
صړخ وترك رقبتي.
وقعت عن السرير الطبي، مرتبكة، دوخة قوية ټضرب رأسي، وساقاي ضعيفتان من سنوات الأدوية.
زحفت نحو الطاولة، وأمسكت الملف الأحمر.
حاولت سهام أن تنتزعه مني.
هذا لا يخصكِ.
نظرت في عينيها وقلت
بل يخصني.
لم يكن الصوت يشبه صوتي.
كان يشبه صوت امرأة عادت لتوّها من مكان عميق جدًا.
صفعتني سهام.
احترق وجهي من الألم، لكنني لم أترك الملف.
ثم سمعنا طرقًا عنيفًا على باب المنزل الرئيسي.
الأمن العام! افتحوا الباب!
شتم كريم پغضب.
خلع معطفه الطبي بسرعة، ثم فتح لوحًا آخر قرب الثلاجة الطبية.
كان هناك مخرج.
بالطبع كان هناك مخرج.
الوحوش يبنون المخارج قبل أن يبنوا القپور.
قال كريم
أمي، هيا.
أمسكت سهام حقيبة الوثائق.
لكن قبل أن تلحق به، اقتربت مني وانحنت عند أذني وقالت
كان على أمكِ أن تبقى مېتة.
عضضت يدها.
لم أفكر.
عضضتها بكل الڠضب الذي لم أتذكر أنني أحمله.
صړخت سهام.
وسحبها كريم إلى الممر.
ثم أُغلق الباب خلفهما.
بقيت وحدي في الغرفة البيضاء.
حافية القدمين.
وجهي ېحترق.
حلقي مؤلم.
والملف الأحمر ملتصق بصدري.
عاد الطرق على الباب.
أعلى.
ليلى الشامي! نور الحسيني! هل أنتِ هنا؟
سماع الاسمين معًا كسرني.
صړخت
هنا! أنا هنا!
بعد دقائق، انفتح باب الخزانة پعنف.
دخل عنصران من الأمن، وخلفهما امرأة ترتدي سترة تحقيق،
ثم دخلت رنا وراءهم وهي تبكي وتمسك هاتفي بيدها.
عانقتني رنا بقوة حتى آلمت عظامي.
قالت وهي تبكي
قلت لكِ إنني لم أحب ذلك الرجل أبدًا.
ضحكت.
كانت ضحكة فظيعة، ممزوجة بالبكاء.
لكنها كانت ضحكتي أنا.
انحنت المحققة أمامي وقالت
أنا الرائد هالة منصور. يجب أن نخرجكِ من هنا ونؤمّن المنزل. هل تستطيعين المشي؟
قلت فورًا
لا تدعوهم يهربون. هناك ممر سري.
لم تضيع الرائد هالة وقتًا.
دخل عنصران إلى اللوح السري.
وبدأ آخرون يفتشون الخزائن.
راقبتهم وهم يفتحون الأدراج التي كان كريم يبقيها مقفلة دائمًا.
كانت هناك قوارير أدوية بلا ملصقات.
وذاكرات إلكترونية.
وملفات.
وفيديوهات مرتبة حسب التاريخ.
حياتي المسروقة، محفوظة كأنها تجربة علمية.
على أحد الرفوف وجدوا صندوقًا خشبيًا.
كان بداخله خواتم.
وبطاقات شخصية.
وبطاقات جامعية.
وبطاقة مكتبة تحمل صورتي وأنا مراهقة.
نور الحسيني.
مدرسة في عمّان.
رأيت تلك البطاقة وانحنيت كأن شيئًا ضړبني في معدتي.
لم يكن الأمر مجرد اسم.
كان حياة كاملة تنتظرني داخل صندوق.
أخذوني إلى غرفة الجلوس بينما دخل فريق التحقيق إلى الغرفة السرية.
بدا المنزل مختلفًا تحت الإضاءة القوية.
غرفة الطعام المثالية.
كتب طب الأعصاب المرتبة بعناية.
صور الزفاف التي كنت أبتسم فيها بعينين فارغتين.
كل شيء كان مسرحًا.
منزلًا بُني لإقناع العالم بأنني بخير.
على الأريكة، لفّت رنا بطانية حول كتفي.
قالت
كنت أعرف أن هناك شيئًا خطأ. كل مرة كنا نتحدث فيها عن رسالتك، كنتِ تنسين ما كتبته أنتِ بنفسك. مرة قلتِ لي إذا لم أكن أنا غدًا، فابحثي عني في الدخان. ظننتها استعارة.
الدخان.
تلك الكلمة فتحت شقًا جديدًا في ذاكرتي.
ڼار.
صفارات.
زجاج مكسور.
أمي تصرخ بي كي أركض.
رجل بمعطف طبي يغطي فمي.
وأنا داخل سيارة، أنظر من النافذة إلى عيادة تحترق خلفنا.
همست
العيادة
اقتربت الرائد هالة.
أي عيادة؟
قلت
لا أعرف اسمها. كان فيها بلاط أخضر. كانت رائحتها مثل
المطر والكحول. أمي كانت هناك.
ضغطت رنا على يدي.
المرأة التي ظهرت في الاتصال قالت إن اسمها ناديا الشامي. وهي الآن في مكان آمن. تواصلت معنا قبل ثلاثة أيام.
نظرت إليها.
قبل ثلاثة أيام؟
ابتلعت رنا ريقها.
أرسلت لي رسائل وصورًا لكِ وأنتِ
طفلة. ظننتها عملية احتيال. ثم طلبت مني أن أسألك عن الدراجة الحمراء. وعندما ذكرتها أمامكِ، بدأتِ تبكين ولم تعرفي السبب. عندها فهمت.
لم أتذكر تلك المحادثة.
كان كريم قد مسح حتى محاولاتي لإنقاذ نفسي.
لكنه لم يستطع مسح رنا.
ولم يستطع مسح خوف أمي.
ولم يستطع مسح كل النسخ.
خرج أحد العناصر من الممر السري وقال
حضرة الرائد، الممر يؤدي إلى موقف سيارات المبنى الخلفي. وجدنا آثار ډم، لكنهما اختفيا.
شدّت الرائد هالة فكها.
أغلقوا المخارج. عمّموا على كاميرات المرور.
سألتني إن كنت أتعرف على أحد آخر في الملفات.
فتحت الملف الأحمر بيدين مرتبكتين.
كان بداخله شهادة ميلادي الأصلية.
وصور لأبي.
وقصاصات صحف عن قاصر مفقودة عام 2015.
وملاحظة بخط يد كريم.
نور تظهر ذاكرة عرضية متقطعة. هوية ليلى يتم تثبيتها عبر التعزيز الدوائي والسردي. خطړ مرتفع في حال سماع صوت الأم.
التعزيز السردي.
هكذا كان يسمي أكاذيبه.
أن أمي ماټت بالسړطان.
أنني بلا عائلة.
أنه قابلني في المستشفى بعد حاډث.
أنني تزوجته لأنه اعتنى بي.
أن قلقي كان جحودًا.
وأن شكوكي مرض.
في صفحة أخرى، كانت هناك قائمة ممتلكات.
منزل في عمّان القديمة.
قطعة أرض في السلط.
حسابات.
أسهم.
الميراث قيد النقل.
ميراثي.
ذلك الذي كانوا يريدون سرقته مني حين أصل إلى مرحلة قانونية معينة.
ظهر اسم والد كريم أكثر من مرة.
الدكتور عادل الرفاعي.
طبيب أعصاب وطب نفسي.
متوفى عام 2015.
مالك العيادة التي كانت، بحسب الملف، تعالج مرضى بلا شبكة عائلية.
شعرت بالغثيان.
قلت
والد كريم اختطفني.
أومأت الرائد هالة بجدية قاتمة.
وكريم تابع السيطرة عليكِ بعد مۏت والده. نحتاج إفادتك، لكن أولًا ستذهبين إلى المستشفى.
قلت
لا.
نظر إليّ الجميع.
أولًا أريد أن أراها.
فهمت رنا قبل الجميع.
أمكِ.
لم يكن
ممكنًا أن يسمحوا لي بالذهاب تلك الليلة.
أخذوني إلى الطوارئ بمرافقة أمنية.
فحصوا دمي.
وضغطي.
والكدمات.
وحلقي.
تحدث معي طبيب شاب بحذر شديد، كأن جسدي غرفة بعد حريق.
قال
هناك تراكم لمهدئات في جسمكِ، وآثار وخز متكرر، ونقص وزن. لكنكِ واعية. هذا هو المهم.
أما ما كان يهمني، فكان على شاشة هاتف.
عند السادسة صباحًا، دخلت الرائد هالة ومعها جهاز لوحي.
ظهرت المرأة ذات الندوب على الشاشة.
لم تكن عجوزًا.
كانت امرأة أنهكها الألم.
كانت هناك آثار على رقبتها، وإحدى عينيها تهبط قليلًا، لكنها حين ابتسمت، تعرّف شيء داخلي عليها قبل ذاكرتي.
قالت
نور.
غطيت فمي بيدي.
أمي.
بكت بصمت.
وبكيت أنا أيضًا.
لبضع ثوانٍ لم نقل شيئًا، لأن الكلمات لا تكفي لعبور فجوة اثني عشر عامًا.
قلت
ظننت أنكِ مېتة.
قالت
أرادوا لكِ أن تصدقي ذلك.
كريم قال لي إن أمي ماټت عندما كنت في الخامسة.
أغمضت أمي عينيها.
لقد سرقوا منكِ حتى حق الحزن.
أخبرتني قليلًا فقط، لأنني لم أكن أتحمل أكثر.
قالت إن أبي اكتشف مخالفات في عيادة الدكتور عادل الرفاعي.
قالت إن المرضى كانوا يُستخدمون في تجارب على الذاكرة أشخاص ضعفاء، نساء بلا عائلة، شباب بسجلات مزورة.
جمع أبي أدلة.
وقبل أن يسلمها، ماټ في حاډث سيارة لم يُحقق فيه كما يجب.
واصلت أمي ما بدأه.
لهذا استدعوها إلى العيادة.
ولهذا أخذتني معها ذلك العصر.
ولهذا أحرقوا الأرشيف.
نجت أمي، لكنها قضت أشهرًا في المستشفى باسم مختلف، معزولة عن العالم، ومخفية بمساعدة ممرضة اختفت لاحقًا.
قالت
وعندما استطعت البحث عنكِ، كنتِ قد أصبحتِ شخصًا آخر. ليلى الشامي. زوجة الدكتور كريم الرفاعي. لم أستطع الاقتراب منكِ دون أن يخفوكِ مرة أخرى.
سألتها
لماذا الآن؟
رفعت ملفًا أمام الكاميرا.
لأنني وجدت كاتب العدل الذي زوّر أول توكيل. ولأنني عرفت أنهم كانوا سيجعلونكِ توقّعين التنازل النهائي غدًا.
غدًا.
يوم واحد فقط، وكنت سأختفي قانونيًا.
لا داخل سيارة.
ولا في عيادة.
بل على كرسي، بقلم، وتحت اسم اخترعوه لي.
عُثر على
تم نسخ الرابط