إخفائها.
وضعتها في الصندوق الذي أحفظ فيه رسائل زوجتي.
وبجانبها وضعت عقد البيع، وصورة لأولادي الثلاثة وهم صغار، وصورة لزينب وهي توزع الدواء في إحدى القرى.
ليس لأقارن بينهم.
بل لأتذكر.
فالذاكرة أيضًا تحتاج إلى وثائق.
إذا متُّ يومًا، وكلنا سنموت حتى لو كان لدينا صندوق ائتماني، أريدهم أن يقرأوا ما كتبته في النهاية
لن يرث أكثر من يبكي عليّ، بل من لم يبعني وأنا حي.
وتحتها كتبت بخطي المائل
الأب لا يشتري الحب لكنه يستطيع أن يتوقف عن تمويل الاحتقار.
الآن أمشي أبطأ.
وأستخدم عكازًا.
وما زلت ألبس حذائي الريفي حين أشاء، رغم أن أولادي يصرون على شراء أحذية أنيقة لي.
أحيانًا أذهب إلى بغداد بملابس فلاح بسيط، لأن هذا ما كنت عليه، وما أنا عليه، وما أطعمني حين لم يكن أولادي يعرفون سوى الطلب.
والفرق الآن،
أنه إذا أغلق أحدهم الباب في وجهي، لم أعد أسأل نفسي ماذا فعلت خطأ؟
فقط أفتش كيسي القديم.
لم أعد أحمل فيه العقود.
أحمل خبزًا ساخنًا.
ولا أعطيه إلا لمن ينظر في وجهي قبل أن يسأل كم أملك.
بعتُ أرضي مقابل خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينار عراقي، ثم ذهبت إلى بغداد بملابس فلاح بسيط لأختبر أولادي لكن أحدهم أغلق الباب بوجهي، والثانية أخفتني في المطبخ، أما الثالث فطلب من الحرس طردي وهو يقول طلّعوا هذا العجوز قبل لا يخوّف الزباين لم يكن أحد يعلم أن عقد البيع كان داخل كيس قديم أحمله بيدي ولم يكن أحد يعلم أنني في تلك الليلة سأقرر من سيرث كل شيء. اسمي يوسف العزاوي، وطوال ثمانية وستين عامًا كنتُ عجوز الأرض هكذا كانوا ينادونني في إحدى قرى بابل الرجل الذي يزرع القمح ويصلح الأسوار ويذهب إلى السوق بعقاله القديم وحذائه المغطى بالطين غادر أولادي الثلاثة إلى بغداد بمجرد أن استطاعوا ولم أَلُمْهم فأنا أيضًا حلمت يومًا بالهرب من الوحل والفقر دفعت
لابني سامر دراسة الحقوق بعدما بعت عشر بقرات وساعدت ابنتي ريم على شراء أول شقة بعدما رهنت قطعة الأرض أما ابني الأصغر كريم، فافتتحت له مطعمًا في المنصور بالمال الذي كنت أجمعه لإجراء عملية في ركبتي وعندما ماتت أمهم، جاء الثلاثة إلى العزاء على عجَل. يابا، إذا احتجت أي شيء اتصل بينا لكنهم لم يتصلوا أبدًا كانوا لا يتذكرونني إلا عندما يحتاجون شيئًا. يابا، سلفني حتى أكمل الصفقة. يابا، ساعدني بقسط المدرسة. يابا، ابعث مبلغ بسيط وأرجعه الجمعة لكن الجمعة لم تكن تأتي أبدًا واصلت الزراعة حتى جاءت شركة استثمارية إلى القرية أرادوا أرضي ليس لأنها جميلةبل بسبب الماء تحت أرضي كان هناك نبع قديم اكتشفه المهندسون متأخرًا، بينما كنت أعرفه منذ طفولتي، لأن أمي كانت تغسل الملابس هناك، وأبي علمني ألا أبيع الأرض خوفًا أو طمعًا عرضوا مئتي مليون دينار رفضت خمسمئة مليون رفضت مليارًا رفضت مرة أخرى وعندما وضعوا خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينار عراقي أمامي، لم أفكر في السيارات ولا القصور فكرت في أولادي وفي أحفادي وفكرت أنني ربما، إذا وصلت بالمال، سيحتضنونني أخيرًا ثم شعرت بالخجل من نفسي فالأب لا يجب أن يشتري الحب لذلك قررت أن أختبرهم وقّعت عقد البيع في مكتب الكاتب بالعدل في الحلة، ووضعت النسخ داخل كيس قديم، وخبأت البطاقة البنكية داخل الشماغ، ثم ركبت الحافلة إلى بغداد لم أحلق لحيتي ولم أغيّر ثيابي أردت أن أصل كما كنت دائمًا ذهبت أولًا إلى سامر كان يعيش في الجادرية داخل بناية فاخرة حتى الصمت فيها يبدو غاليًا منعني الحارس من الدخول. أريد أشوف ابني. اسمه؟ سامر العزاوي اتصل الحارس عبر الجهاز الداخلي وسمعت صوت ابني يقول أبوي؟ گله مو موجود تجمدت في مكاني قال الحارس بتوتر بس هو يعرفك أستاذ سامر ساد الصمت ثم نزل سامر بنفسه، يعدّل ربطة عنقه، وعلى
وجهه ملامح خجل ليس لأنه كذببل لأنه رآني. يابا، شتسوي هنا بهاي الهيئة؟ جيت أسلّم عليك نظر حوله وكأنني فضيحة أمام سكان البناية. عندي ضيوف مهمين الليلة مو وقت مناسب. أريد أنام ليلة وحدة بس خفض صوته وقال أكو فنادق رخيصة قريب الكراج شعرت بأول طعنة، لكنني هززت رأسي فقط. زين يا ولدي لم يعانقني ولم يسأل إن كنت جائعًا بل أعطى الحارس بعض المال وقال جيبله تكسي لكنني لم آخذ المال وغادرت ماشيًا أما الثانية فكانت ريم استقبلتني في شقتها بالكرادة، داخل عمارة حديثة لا تشبه شيئًا من البيت الذي تربّت فيه نظر زوجها إلى حذائي المتّسخ ثم قال باستغراب هذا والدچ؟ابتسمت ريم بتوتر. إي بس لا تدقق ثم سحبتني بسرعة إلى باب المطبخ. يابا، اقعد هنا شوي صديقاتي جايين بعد شوي نظرت إليها طويلًا. تستحين مني؟تضايقت فورًا. لا تبدي بهالحچي إنت ما تعرف شلون الناس تفكر هسه مرت حفيدتي الصغيرة من أمامي وسألت ماما، هذا عامل التنظيف؟ولم تُصحّح ريم كلامها وضعت أمامي صحن حساء بارد وبطانية خفيفة. تگدر تنام بغرفة الغسالة الليلة في منتصف الليل سمعتها تتحدث بالهاتف. إي والله أبويه إجا فجأة مادري شيريد. إن شاء الله مو جاي يطلب فلوس، عبالي أحرج قدام زوجي نهضت قبل الفجر طويت البطانية وغادرت دون أن أوقظ أحدًا أما كريمفكان آخر أمل عندي مطعمه في المنصور كان مزدحمًا أضواء دافئة موسيقى هادئة وزبائن يضحكون وكأن الحياة لا تعرف التعب وحين رآني عند الباب، شحب وجهه. يابا مو هسه. بس جيت أشوفك. المطعم مليان. وأنا اشتغلت عمري كله حتى يوقف هذا المكان تغيّر وجهه. لا تسويلي إحراج هنا اقتربت شريكة المطعم، امرأة أنيقة تفوح منها رائحة العطر الغالي. خير أستاذ كريم؟ابتسم ابتسامة مصطنعة وقال هذا رجال من القرية مرات يجيب جبن وقيمر للبيع شعرت بأن الهواء انقطع عن صدري رجل من القرية
حتى كلمة أبي لم يقلها غطّت المرأة أنفها بخفة وقالت لا يدخل للصالة أشار كريم للحراس. طلعوه بره. كريم آني أبوك شد فكه بقسوة وقال وأنا صاحب هذا المكان لا تخرب عليّ شغلي أخرجوني تحت المطر والناس تنظر إليّ من خلف الزجاج أما ابنيفلم يخرج خلفي جلست على مقعد قرب شارع المنصور، والكيس القديم بين قدمي، وعقد البيع يبتل من طرفه ولأول مرة منذ سنواتبكيت ليس على المال بل لأنني اكتشفت أن أولادي دفنوني وأنا ما زلت حيًا عند السادسة صباحًا ذهبت إلى مكتب الكاتب بالعدل في بغداد كان الأستاذ ناظم ينتظرني وكانت هناك أيضًا زينب ابنة صديقي الراحل ممرضة شابة كانت تتصل بي كل يوم جمعة فقط لتسألعمي يوسف، متغدي لو بعدك؟وصلت مسرعة بملابس المستشفى، وعيناها متعبتان من المناوبة الليلية، لكنها كانت تحمل كيس خبز ساخن. عمي يوسف، إنت بخير؟ثم سألت مباشرة فطرت لو لا؟وهنا انكسر شيء داخلي بالكامل فتح الكاتب الملف وقال عمي يوسف، متأكد تريد تغيّر الوصية كاملة واسم الورثة؟كنت على وشك الإجابةلكن الباب انفتح فجأة دخل أولادي الثلاثة سامر ببدلته الأنيقة وريم بنظارتها السوداء وكريم برائحة عطره الغالي ووجهه المذعور واضح
أن أحدًا أخبرهم بأمر البيع اقترب سامر مني مبتسمًا لأول مرة منذ سنوات. يابا، ليش ما گلتلنا إنك بعت الأرض؟حاولت ريم احتضاني. يابه خفت علينا ووضع كريم علبة أمامي. جبتلك حذاء جديد حتى ما تبقى تمشي بهذني نظرت إلى الحذاء ثم نظرت إلى زينب، التي كانت ما تزال تمسك الخبز الساخن دون أن تفهم ما يحدث ناولني الكاتب القلم. عمي يوسف بقي توقيعك فقط اختفت ابتسامة أولادي فورًا نظر سامر إلى الاسم المكتوب أعلى الورقةوشحب وجهه. يابا ليش اسم زينب مكتوب كوريثة رئيسية؟ الجزء الثاني سيكشف لماذا اختار يوسف العزاوي تغيير الورثة في آخر لحظة، وماذا وجد أولاده داخل كيسه
القديم بعد فوات الأوان.