رسالة بالخطا
المحتويات
حيدر بحدة.
اسكتي.
سقطت الكلمة على القاعة بقسوة.
جافة.
باردة.
لي، ولها، ولكل امرأة ظنت يومًا أن الصمت يحميها.
تجمدت نور، ثم تبدلت نظرتها.
قالت
لا تتكلم معي هكذا.
اقترب منها.
قلت لك اسكتي.
رفعت سارة هاتفها.
التسجيل يعمل.
توقف.
كان يتنفس بقوة.
والناس لم يعودوا يتهامسون.
كانوا يشاهدون فقط.
أم حيدر حاولت إنقاذ الموقف.
قالت
ابني أخطأ، هذا كل شيء. ومريم دائمًا صعبة. منذ حملها وهي لا تُطاق.
هناك انكسر شيء بداخلي.
لكنني لم أصرخ.
نظرت إليها فقط.
قلت
ابنك كان يقول لا يوجد مال، وأنا أدفع الفيتامينات والمراجعات ومصاريف البيت. ابنك استخدم بطاقاتي ليغطي هذه الكذبة. وابنك سمح لكِ أن تدخلي بيتي وتضغطين عليّ لأوقع على شقة اشتريتها من مال والدي بعد وفاته.
ساد صمت كامل.
حتى العامل الذي كان يحمل صينية العصير توقف في مكانه.
تابعت
ومع ذلك، أنا لم آتِ لأطلب خجلكم. جئت لأقول إنكم لم تعودوا تملكون أي طريق إلى مالي، ولا إلى بيتي، ولا إلى طفلتي.
ضحك حيدر ضحكة قصيرة ومرة.
طفلتك؟ هي ابنتي أيضًا.
اشتد بطني فجأة.
تنفست.
مرة.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
قلت
بالدم نعم. لكن الأب لا يهدد امرأة حامل ليسلبها سقفها.
تغير وجهه.
اقترب خطوة وعيناه مشتعلتان.
سأخذ منك كل شيء.
وأخيرًا
سمعوه جميعًا.
لم تكن رسالة.
ولا ظنًا.
ولا خوفًا في قلبي.
كانت جملته هو، بصوته، وسط الزينة والورود والبالونات.
ابتسمت سارة بخفة.
شكرًا يا حيدر.
فهم متأخرًا.
بدأت نور تبكي.
وطلبت أم حيدر من أحد أقاربها أن يخرج السيارة.
كنت أريد أن أغادر بكرامة كاملة، لكن جسدي سبقني.
شعرت بألم منخفض وقوي، كأن قبضة داخلية أغلقت على بطني.
انحنيت قليلًا.
أمسكتني سارة فورًا.
مريم؟
قلت
أنا بخير.
كنت أكذب.
جاء ألم آخر أقوى.
تحركت القاعة أمام عيني.
الأصوات ابتعدت.
سمعت أحدهم يقول
اتصلوا بالإسعاف.
وآخر
جيبوا ماء.
اقترب حيدر.
ما بك؟
نظرت إليه بكل ما تبقى داخلي من هدوء قاسٍ.
قلت
لا
أخرجتني سارة من القاعة.
لم تنتظر كثيرًا.
أركبتني السيارة واتصلت بالطبيبة وهي تقود في شوارع بغداد، بين زحام الجادرية وأضواء الكرادة، والمدينة تمر من حولي كأنها صور متقطعة.
في المستشفى كان كل شيء أبيض وسريعًا ومربكًا.
أسئلة.
أجهزة.
ممرضة تطلب مني أن أتنفس.
وطبيبة تقول إن الطفلة بخير، وإن الخوف والتوتر سببا تقلصات مبكرة، لكنهم سيحاولون السيطرة عليها.
أنا فقط كنت أريد سماع نبضها.
وعندما ظهر الصوت على الجهاز
ذلك النبض الصغير المنتظم ملأ الغرفة كلها.
هناك بكيت.
بكيت كما لم أبكِ في المطبخ.
بقيت سارة معي حتى الفجر.
اتصل حيدر مرات كثيرة.
وأرسلت أم حيدر رسائل تقول إنني فعلت كل هذا لأهدم عائلتها.
أما نور، فأرسلت رسالة واحدة فقط
لم أكن أعرف موضوع الشقة. عندي رسائل أكثر. أرسلها لك إذا احتجتِ.
احتجتها.
وأرسلتها.
في الأيام التالية، بدأت الكذبة تتفكك دون أن أضغط كثيرًا.
نور لم تكن بريئة تمامًا، لكنها لم تكن صاحبة الخطة كلها.
كانت امرأة أخرى باع لها حيدر مستقبلًا من مال غيره.
حملها كان حقيقيًا، لكن الحكاية كلها كانت مبنية على وعود وديون وضغط.
سارة قدمت كل ما يلزم.
البنك راجع المعاملات.
المكتب الذي حاولت أم حيدر دفعي إليه أكد أنه لا يمكن تنفيذ أي إجراء دون حضوري وموافقتي الصريحة.
أما شقتي، فأصبحت محمية بأوراق واضحة ونسخ مصدقة وإنذار قانوني جعل حيدر يتوقف عن طرق الباب.
وصلت الإجراءات في عصر ممطر.
كانت بغداد
تفوح برائحة الشوارع المبللة، والقهوة من شقق الجيران، وصوت السيارات العالق في الزحام.
جلست قرب النافذة.
البطن نفسه.
لكن القلب لم يعد كما كان.
كان حيدر ممنوعًا من الاقتراب مني دون طريق قانوني.
وأم حيدر كذلك.
قرأت الورقة ثلاث مرات.
ليس لأنني لم أفهمها.
بل لأنني كنت أحتاج أن أصدق أن الورق يمكن أن يصبح درعًا.
بعد أسبوعين وُلدت ابنتي.
لم تكن الولادة كما تخيلت.
لم يكن حيدر يمسك يدي.
ولم
ولم تكن هناك عائلة مثالية تنتظرني بالورود.
كانت هناك سارة نائمة على كرسي، شعرها مبعثر وكوب قهوة بارد في يدها.
وكانت هناك ممرضة رتبت شعري كأنها خالتي.
وكان هناك صوتي يملأ الغرفة.
ثم صمت.
ثانية.
ثانيتان.
ثلاث.
حتى بكت ابنتي.
ذلك البكاء أعادني إلى الحياة.
وضعوها على صدري.
دافئة.
صغيرة.
غاضبة من دخول العالم.
كانت قبضتاها مغلقتين وفمها يرتجف.
قبّلت جبينها وشعرت أن كل ما حاولوا أخذه مني صار يتنفس فوق قلبي.
همست
نورا.
لأنها جاءت بعد عتمة طويلة.
ولأنها، رغم كل شيء، وجدت طريقها إليّ.
ظهر حيدر في المستشفى في اليوم التالي.
لم يسمحوا له بالدخول.
رأيته من نافذة الممر يتحدث مع الأمن، بلحية غير مرتبة وقميص مجعد.
لأول مرة لم يبدُ رجلًا مهمًا.
بدا كما هو.
رجلًا خلط الحب بالامتلاك وخسر الاثنين.
أرسل لي رسالة
خليني أشوفها. أنا أبوها.
قرأتها ونورا نائمة على صدري.
لم أرد فورًا.
في الماضي كنت سأشعر بالذنب.
كنت سأفكر في كلام الناس.
في العائلة.
في أن الطفلة تحتاج أباها.
لكن ذلك الصباح، بينما دخل الضوء من نافذة المستشفى وصوت بغداد يتحرك في الخارج، فهمت شيئًا بسيطًا
ابنتي تحتاج السلام قبل الأسماء.
كتبت جملة واحدة
كل شيء سيكون عن طريق القانون.
ثم أغلقت الشاشة.
بعد أشهر، عندما استطعت أن أمشي دون ألم وأنام أكثر من ثلاث ساعات متواصلة، أخذت نورا إلى حديقة قريبة من الكرادة.
كان الأطفال يركضون، والباعة ينادون على الشاي والعصائر، والناس يمشون كأن الحياة لا تتوقف لأحد.
جلست على مقعد طويل وطفلتي بين ذراعي.
كانت ترتدي قبعة صفراء صغيرة.
نفس القبعة التي كنت أطويها تلك الليلة في الصالة، بينما كان حيدر يحاول تخويفي.
وصلت سارة وهي تحمل كوبين من الشاي وكيس كعك.
قالت
كيف حال بنتي المدللة؟
قلت
نائمة. تتظاهر أنها هادئة.
ضحكت
مثل أمها.
ضحكت أنا أيضًا.
ولأول مرة منذ وقت طويل، لم تؤلمني الضحكة.
الإجراءات
حيدر كان يطالب بزيارات منظمة.
ونور، كما عرفت لاحقًا، أنجبت ابنها وبدأت تطالب بحقوق طفلها أيضًا.
أما أم حيدر فكانت ما تزال تقول إنني سبب كل شيء، لأن هناك من يفضّل أن يحرق البيت على أن يعترف بأنه خبأ النار داخله.
لكن الشقة بقيت باسمي.
وحساباتي صارت آمنة.
وابنتي كانت بخير.
وأنا لم أعد أعدّ الأكاذيب كأنها عملات فوق الطاولة.
صرت أعدّ الأنفاس.
نَفَس نورا وهي نائمة.
ونَفَسي وأنا أستيقظ.
ونَفَس حياة لم تشبه ما وُعدت به يوم زفافي، لكنها تشبه ما أنقذته بيدي.
في تلك اللحظة، فتحت نورا عينيها.
كانتا واسعتين، داكنتين، يقظتين.
نظرت إليّ كأنني عالمها كله.
عدّلت قبعتها وقلت بصوت منخفض
لا أحد سيخرجنا من بيتنا مرة أخرى يا حبيبتي.
حرّكت فمها كأنها تريد الرد.
كانت مجرد حركة صغيرة من طفلة.
لكنني شعرت بها وعدًا.
استمرت بغداد حولنا.
السيارات.
الأصوات.
ضحكات الأطفال.
رائحة الشاي.
حركة الناس.
الحياة.
وهذه المرة، لم أكن أنتظر أن يكذب عليّ أحد.
كنت أبدأ من جديد.
وصلتني حوالة بالخطأ من زوجي بقيمة 52 مليون دينار عراقي، ومعها ملاحظة تقوللحفل استقبال نور وطفلنا أحبك كنتُ في شهري السابع، أجلس وحدي داخل شقتنا في الكرادة، وقدماي متورمتان من التعب، وبطاقتي البنكية تكاد تتوقف بسبب الديون لأنه كان يقسم كل يوم أن شركته تمرّ بأزمة وأننا يجب أن نوفّر بكل شيء في تلك الليلة لم أصرخ لم أبكِ.فقط التقطتُ صورة للشاشة وبدأتُ أعدّ أكاذيبه واحدة واحدة، كأنني أرتّب فواتير قديمة فوق الطاولة وصلت الحوالة عند الساعة 1143 ليلًا كنت أجلس في المطبخ الصغير أراقب غلاية الماء استعدادًا لشاي البابونج، بينما المطر يضرب نوافذ بغداد بهدوء ثقيل، وكأن المدينة كلها تخفي أسرارًا لا تريد الاعتراف بها اهتز هاتفي فوق الطاولة تم استلام حوالة مالية 52000000 دينار في البداية ظننت أن حيدر أخيرًا حوّل المبلغ الخاص بغرفة طفلتنا كنا نتشاجر
متابعة القراءة