دون أن تعلمي. تجمّدت مكاني ماذا تعنين؟ أخرجت ظرفًا أبيض مطويًا من حقيبتها طلب مني أن أوقّع هذا قبل أن تولد. أخذت الورقة. قرأت السطر الأول وعندها أدركت أنه لم يخنّي بزواج فقط بل خطّط لكل شيء منذ البداية. لم أرفع رأسي فورًا، ظللت أحدّق في الورقة وكأن الكلمات ستتغيّر إن منحتها وقتًا كافيًا، لكنها بقيت كما هي، باردة وحاسمة، لا تحتمل تأويلًا ولا تمنح فرصة للإنكار. قرأت العنوان مرة أخرى اتفاق خاص بالتنازل عن الحقوق الأبوية وتعهد بالسرية، وشعرت بأن الهواء في المقهى صار أثقل، وكأنني أتنفس عبر طبقة زجاج. قلبت الصفحة ببطء، لا لأنني مترددة، بل لأنني كنت أحتاج ثانية إضافية لأتماسك، وهناك ظهر البند الذي حسم كل شيء، جملة طويلة مكتوبة بلغة قانونية جافة، لكنها في حقيقتها كانت أكثر قسوة من أي اعتراف صريح في حال قررت الطرف الحامل الاستمرار في الحمل، فإنها تلتزم بالنظر في خيار تسليم الطفلة إلى زوجين يحددهما الأب البيولوجي. توقفت عند كلمة يحددهما، ولم
أحتج أن أسأل، لأن الإجابة كانت واضحة بشكل مؤلم، ومع ذلك خرج صوتي منخفضًا من؟ رفعت ديرين عينيها نحوي للحظة قصيرة، ثم عادت تهرب بنظرها، وكأن مواجهتي أصعب من كل ما مرت به، وقالت بصوت مكسور أنتِ وكِنان. لم أصرخ، ولم أبكِ، لكن شيئًا داخلي انطفأ بهدوء، ذلك الجزء الذي كان لا يزال يحاول إيجاد تفسير أقل قسوة، لأن الحقيقة كانت أبشع مما تخيلت، لم تكن خيانة عابرة ولا زواجًا سريًا فقط، بل خطة متكاملة تجعلني أمًا لطفلته من امرأة أخرى دون أن أعرف، وتجعلني ممتنة لذلك أيضًا. سألتها هذه المرة بهدوء غير متوقع لماذا؟ صمتت لثوانٍ، ثم قالت وهي تمسح دموعها بارتباك عمه الأمر كله بدأ بعودته. لم أفهم في البداية، لكنني تركتها تتكلم، لأنها كانت تحكي وكأنها تخرج حملاً ثقيلاً من صدرها، فقالت إن عم كِنان رجل ثري جدًا، عاش سنوات طويلة خارج البلاد، وعاد فجأة قبل أشهر، وعندما زار العائلة لأول مرة بعد عودته، كان مهتمًا بشكل غريب بكل التفاصيل، بالبيت، بالمظهر، بطريقة كلامهم،
وكأنه يقيمهم واحدًا واحدًا. ثم جاء ذلك السؤال الذي غيّر كل شيء، قالت إنه نظر إلى كِنان أمام الجميع وسأله بنبرة عادية تخفي ما وراءها متى ستنجب؟ توقفت ديرين لحظة، ثم تابعت وهي تنظر إليّ مباشرة كِنان لم يعرف ماذا يقول، لكنه ابتسم وقال إن الأمر مسألة وقت، وعندها ضحك عمه وقال جملة لم ينسها أحد، قال إن أول حفيد شرعي من زوجة معترف بها سيكتب باسمه عشرة ملايين. لم أشعر بالدهشة بقدر ما شعرت بشيء يشبه السخرية، لأن كل شيء بدأ يتجمع أمامي في صورة واحدة واضحة، فالعائلة التي تتعامل معي كأنني غير مرئية، لم تكن ترى فيّ سوى فرصة، والزوج الذي كان يطمئنني كل مرة أن الأمر لا يهم، كان يحسب كل شيء بالأرقام. أكملت ديرين وهي تشبك أصابعها بتوتر المشكلة أن كِنان كان يعرف أنكِ لا تستطيعين الإنجاب، وكان يعرف أن عمه لن ينتظر طويلًا، وكان يعرف أيضًا أن العائلة كلها تعتمد على هذا المال، لأنهم، رغم مظهرهم، ليسوا في وضع جيد كما يبدون. نظرت إليها دون أن أعلق، لكنها فهمت
أنني أريد أن أسمع كل شيء، فتابعت في البداية حاول إقناعي بالزواج فقط، قال إن الأمر بسيط، وأنه سينفصل عنك لاحقًا، لكن عائلته رفضت، قالوا إن الطلاق الآن سيجعل الوضع معقدًا أمام عمه، وإنهم يحتاجون إلى زوجة رسمية ثابتة لا تثير الشبهات. ابتلعت ريقها قبل أن تكمل ثم جاءت الفكرة أن أبقى أنا في الظل، وأن تبقى أنتِ في الصورة، وأن يُنسب الطفل لكِ، وكأنكِ أنتِ من أنجبته، وبذلك يحصلون على كل شيء، المال، والسمعة، والاستقرار. شعرت بأن أصابعي تضغط على الورقة دون أن أنتبه، فسألتها وأنتِ؟ أين كنتِ في كل هذا؟ ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت كنت أظن أنه يحبني، وعندما أخبرني بالحمل، خفت، لم أكن أملك شيئًا، لا بيتًا ولا دعمًا، وعندما بدأ يتحدث عن المال، وعن مستقبلي، وعن كيف أن كل شيء سيكون أفضل إذا وافقت، صدقته في البداية حتى رأيت هذا العقد. وضعت يدها على بطنها بحركة لا إرادية، ثم همست عندما قرأت أنني قد أُجبر على تسليم طفلتي، أدركت أنني لست زوجة، بل مجرد وسيلة.