المطر كان ينهمر بقوة لدرجة جعلت كل شيء يبدو أكثر قسوة
الطلقة شقت المطر.
الزمن وقف.
الابن ما وقع.
لأنه في نفس اللحظة، جسم ثاني رمى نفسه قدام الرصاصة.
الأم.
كانت جرت من البيت. حافية. في ثوبها المبلول. وقلبها سابق رجلها.
لأن الأم لما تحس إن ابنها في خطر... الموت يبقى مشوار سهل.
الرصاصة جت في كتفها. وقعت على الأرض الطينية.
صرخة ابنها شقت السما. يمّا!!
جرى عليها. وقع على ركبه في الوحل. حضنها. دمها سخن على إيده الباردة.
ليه؟ ليه عملتي كده؟! كان بيصرخ، بيبكي زي طفل.
وهي، رغم الألم، رفعت إيدها المرتعشة ولمست خده.
عشان... أنا... أمك، همست. وأنا مش... هسيبك... تاني.
نور كانت واقفة مصدومة. المسدس وقع من إيدها. ما توقعتش كده. كانت فاكرة إنها مسيطرة. إن الخوف هيشلهم.
لكن الحب... الحب غبي. وشجاع. وبيكسر كل الخطط.
صوت سرينة بوليس جه من بعيد.
الجيران سمعوا. حد بلغ.
نور بصت للبوليس. بصت للدم. بصت لهم هم الاثنين
وفهمت. خلاص. خسرت.
حاولت تجري. بس رجلها غرزت في الطين.
الابن ما قام. حضنه لأمه كان قفل. كان بيت. كان اعتذار عمر كامل.
خليك معايا يمّا، كان بيهمس وهو ضاغط على جرحها. خليكِ. أنا هبقى كويس. هنبقى كويسين. بس خليكِ.
البوليس وصل. كبّلوا نور. وهي بتصرخ هو اللي سرق! هو اللي اختلس من الشركة عشان يديها الفلوس! هو المجرم!
الضابط بص للابن. بص للأم النازفة. بص للظرف المفتوح اللي وقع جنبها.
وشاف الفلوس. والورقة.
أنا آسف، يمّا.
الضابط شاب. فهم.
إسعاف! زعق. بسرعة!
بعد أسبوع. مستشفى.
الأوضة بيضا. جهاز القلب بيبيب.
الابن نايم على الكرسي جنب سريرها، ماسك إيدها. دقنه طويلة. عيونه حمرا من السهر.
مرفض يروح. مرفض ياكل. مرفض يسيبها.
الأم فتحت عينيها ببطء.
أول حاجة شافتها... ابنها.
مش قاسي. مش بعيد. خايف. يحبها.
ولدي... صوتها ضعيف.
قام مفزوع. يمّا!
هزت راسها ببطء. دمعة نزلت.
لا... مفيش... وجع.
مسكت وشه. إنت... إنت هنا. كده... مفيش وجع.
انهار. حط راسه جنب راسها على المخدة وبكى.
بكى على السنين اللي ضيعها. على الكلمة الحلوة اللي بخل بيها. على خذي الرز وروحي اللي قالها وهو بيموت من جواه.
سامحيني، كان بيكررها. سامحيني على كل حاجة.
مسامحاك، همست. من يوم ما اتولدت. الأمهات... شغلتها تسامح.
بعدها بأيام، البوليس حقق.
الفلوس؟ فلوسه. حلال. باع أسهمه بالسر. عشان يهرّب أمه قبل ما نور تبتزها أو تأذيها.
نور؟ اتسجنت. شروع في قتل. وابتزاز. وتزوير. كانت مسيطرة على شركته وحياته بالتهديد.
وهو؟ كان ساكت عشان يحمي أمه. فاكر إن الرجولة إنه يشيل لوحده.
ما عرفش إن الرجولة الحقيقية... إنه يطلب مساعدة.
بعد سنة.
بيت صغير. مش قصر. مش فخم.
بس فيه جنينة. وكرسيين هزازين.
العجوز قاعدة، ملفوفة بشال صوف. الكيس اللي كان فيه الرز متعلق على الحيطة. فاضي. محطوط في برواز.
جنبها ابنها. شعره فيه شيب زيادة. بس عيونه... هادية.
الرز كان حلو يمّا؟ سألها وهو بيضحك.
ضربته على كتفه بخفة. أحلى رز دوقته في حياتي يا ولدي.
سكتوا. سمعوا العصافير.
تعرف، قالت. لما رميتني بالكيس في المطر... قلبي اتكسر.
وشه اتطفى. عارف. وعمري ما...
قاطعته. حطت إيدها على إيده.
بس لما فتحته... ولقيت قلبك فيه... القلب اتصلح.
الكيس كان فاضي يمّا.
لا يا ولدي، ابتسمت. كان مليان. مليان بيك.
النهاية.
المغزى؟
القسوة ساعات بتكون قناع خوف.
والكيس اللي شكله رز ممكن يكون جواه عمر من الاعتذار.
والأم... ممكن تاخد رصاصة، بس عمرها ما تاخد من ابنها فرصة ثانية.
ولما ابنك يقولك خذي وامشي...
أوقات بيكون قصده اهربي... عشان أقدر أحميكي.
بس
مبتهربش.
بترجع.
وتاخد الرصاصة بداله