المطر كان ينهمر بقوة لدرجة جعلت كل شيء يبدو أكثر قسوة

لمحة نيوز

المطر كان ينهمر بقوة لدرجة جعلت كل شيء يبدو أكثر قسوة. البوابة الحديدية السوداء تهتز في الريح. الممر الحجري يلمع بالماء البارد. وفي المنتصف، وقفت أم عجوز بمعطف رمادي تشبّع بالماء بالكامل، تقبض على مقدمة فستانها كأنها تعرف بالفعل أن قلبها على وشك أن ينكسر مرة أخرى.
ابنها لم يحتضنها. لم يقبّل جبينها. لم يدعُها للداخل. دفع كيساً ثقيلاً من الخيش في ذراعيها بعنف كاد أن يوقعها للخلف.  
خذي الرز وروحي، يمّا.  
هذا كل ما قاله. لا دفء. لا لين. لا تواصل بالعينين. فقط ذلك الصوت القاسي الذي يستخدمه الرجال عندما يحاولون قتل ألمهم قبل أن يُرى.
نظرت العجوز إليه من خلال المطر. لثانية واحدة، تجعّد وجهها. ليس بسبب الكيس. بسبب المسافة التي فيه. لأن الأمهات يعرفن متى يبعد أبناؤهنّ عنهنّ ليخفوا شيئاً أسوأ من الغضب.
خلفه، تحت ظل المدخل الخافت، وقفت امرأة أصغر تراقب بصمت. ذراعاها متقاطعتان. وجهها لا يُقرأ. حضورها حاد كالسكين.  
الابن رمقها بنظرة سريعة، ثم تراجع عن أمه بسرعة، كأن ثانية واحدة أكثر ستجعله يقول الشيء الخطأ.


هزت العجوز رأسها. كانت تهزه دائماً. حتى عندما يؤلمها. حتى عندما يؤلمها هو. حتى الآن، في المطر، عندما كل ما أرادته هو أن ينظر إليها ابنها بالطريقة التي كان يفعلها قبل أن تجعله الحياة قاسياً.
فاستدارت ومشت وحدها، تعانق الكيس إلى صدرها بينما المطر يتسرب عبر أكمامها ويقطر من ذقنها.
لم تبكِ حتى دخلت.  
الغرفة كانت صغيرة وخافتة. طاولة خشبية. سرير ضيق. نافذة ملطخة بالمطر. من النوع الذي يجلس فيه الصمت قريباً جداً من الجدران.
ألقت الكيس على الطاولة بكلتا يديها ووقفت هناك تتنفس بصعوبة، تحاول تهدئة الارتجاف في أصابعها.  
ثم فكت الحبل.
لم ينسكب أي رز.  
تجمدت.  
داخل الخيش كان هناك ظرف أبيض. واحد فقط.  
على الواجهة، بخط يد ابنها، كلمة واحدة يمّا.
انحبست أنفاسها. ببطء، كأنها تفتح شيئاً حياً، سحبت الظرف وفتحت ما بداخله.  
مال. رزمة سميكة منه. مال أكثر مما رأته منذ سنوات.  
وتحته، ورقة مطوية.  
ارتجفت أصابعها بشدة حتى بالكاد استطاعت فتحها.  
السطر الأول ضربها كصفعة على الصدر.  
أنا
آسف، يمّا.
ضغطت يدها على فمها. المطر ينقر على النافذة خلفها. الغرفة بدت وكأنها تميل.  
واصلت القراءة.  
مقدرتش أقولها قدامها. قلت لك إنه رز لأنها تراقب كل شيء. أرجوكِ ما ترجعيش عشاني. أرجوكِ ما تسأليش من وين جبته. بس اطلعي قبل الليل.
امتلأت عينا العجوز فوراً.  
هذا لم يكن ابناً يطردها. هذا كان ابناً يحاول إنقاذها من شيء ما.
فردت الباقي بيدين مرتجفتين.  
إذا بقيت، هي هتفضل تاخد كل حاجة. إذا هربت، هي هتيجي لكِ إنتي الأول. فأنا ببعدك قبل ما أعمل أي حاجة غبية.  
أصدرت العجوز صوتاً مكسوراً في حلقها.  
ثم وصلت للسطر الأخير.  
وتجمّد الدم في وجهها.
لما تقري ده، يا هكون مشيت... يا هي هتعرف.
يدها طارت إلى فمها. التفتت نحو النافذة المضيئة بالمطر  
وكان هناك.  
لا يزال واقفاً عند البوابة. وحده. مبلل. لا يتحرك.  
ليس كابن قاسٍ.  
كطفل صغير خائف محبوس داخل جسد رجل.
رفع يداً مرتجفة إلى وجهه ومسح دموعاً حيث لم يكن من المفترض أن يراها أحد.
ثم، من خلفه، خطت الشابة إلى المطر.
 
وفي يدها  
كان مسدس.
الجزء الثاني لما انكسر الباب
المطر صار سكاكين. 
العجوز شهقت. حطت الظرف والفلوس على صدرها كأنها درع، وعيونها ما فارقت ابنها عند البوابة.
الشابة وقفت وراه. المسدس في إيدها مش ثابت. بيرتعش. 
فاكر إنك أذكى مني؟ صوتها عالي، مبحوح من الغضب. فاكر إنك هتهربها بالفلوس وتخليني أنا الغبية؟
ابنها ما التفت. كتافه مشدودة. غرقان للآخر. 
نور... قال اسمها. بصوت واطي. مكسور. سيبيها. المشكلة بيني وبينك.
نور ضحكت. ضحكة مسمومة. 
مفيش بيني وبينك. فيه أنا... وفلوسك. وشركتك. وبيتك. وكل حاجة كتبتها باسمي لما كنت فاكر إني بحبك. 
رفعت المسدس. وأمك؟ هي نقطة ضعفك الوحيدة. وانت حاولت تشيلها من الطريق. غبي.
الأم العجوز فتحت الشباك. صرخت 
ولدي! اجري!
هو لف بسرعة. شافها. شاف الخوف في عينيها. وشاف التحدي. 
ولأول مرة من سنين... ابتسم لها. ابتسامة صغيرة. وداع. 
سامحيني يمّا، تمتم. بصوت ما سمعته غير هي. 
على كل مرة قسيت. على كل مرة سكت. على اليوم ده.
نور سمعت.

جنت. 
بتودعها؟

! صرخت. يبقى هتودعوا بعض صح!
ضغطت الزناد. 

تم نسخ الرابط