شوال الرز لمنى السيد

لمحة نيوز

أول ما فتحه، رزم الفلوس “المستفة” ظهرت.. مكنتش فلوس مبعثرة، دي كانت رزم بنكية متغلفة وعليها أختام رسمية.
— يا خبر أبيض! يا دي الهنا! — واحدة من القرايب شهقت وهي حاطة إيدها على قلبها. متوفرة على روايات و اقتباسات
بس الموضوع مخلصش هنا.. الحاج جلال فتح اللفافة التانية، وبعدها الثالثة، وبعدها الرابعة.
ومع كل لفة بتتفتح، الذهول كان بياكل قلوب الموجودين.
لقوا عقود ملكية لأراضي، ووصولات أمانة، ودفتر توفير بمبلغ وقدره، وأوراق استثمار.. وكلها كانت بأسماء “محمود وأمل”. متوفرة على روايات و اقتباسات
وفي الآخر، لقى جواب مطوي بعناية.. الحاج جلال إيده بدأت ترتعش وهو بيفتحه، واحد من ولاد أخته قال بصوت واطي:
— اقرأ يا خالي.. خلي الكل يسمع.
الحاج جلال خد نفس عميق، وعدل نظارته وقرأ بصوت مليان هيبة:
“يا حاج جلال..
أنا عارف إنك راجل مش بتاع مظاهر، ولا الهدايا الغالية بتملى عينك.
عشان كدة، كل قرش حوشته في سنين شقايا، وكل مليم طلع زيادة عن مصاريفي أنا ومراتي، جبتهولك في الشوال ده.
الرز ده رمز للستر، وللبيت المفتوح، وللقمة الحلال اللي مابنشبعش منها.
اللي مستخبي جوه الرز ده مش منظرة، ده تعبي وعرقي والعهد اللي أخدته على نفسي إن بنتك ماتحتاجش
لحد أبداً طول ما أنا عايش.
أنا مجبتش ده عشان أتباهى، أنا جبته رد جميل.. لإنك في عز ما كنت لا أملك شيء، فتحت لي بيتك ومسحتش بكرامتي الأرض زي غيرك

ابنك، محمود.”
متوفرة على روايات و اقتباسات
لما الحاج جلال خلص قراية، مفيش صرصار حقل اتجرأ يطلع صوت.
الوحيدة اللي كان صوتها طالع هي “أمل”، اللي كانت بتبكي بحرقة وهي بتبص لجوزها كأنها لسه بتكتشفه من أول وجديد.. بكت لإنها مكنتش تعرف حجم الشقا اللي شاله لوحده عشان اللحظة دي.
— محمود.. — همست وهي بتترعش — ليه ما قولتليش؟
محمود كان لسه واقف عند البوابة، باصص في الأرض، مكنش في عينه شماتة ولا فخر، كان فيه “عزة نفس” توجع القلب.
— أنا معملتش كدة عشان أحكي يا أمل.. أنا عملت كدة لإني شايفه واجبي.
الحاج جلال رفع راسه ونادى عليه:
— تعال هنا يا محمود.. قرب يا ابني.
محمود قرب بخطوات تقيلة فوق حبات الرز اللي فرشت الأرض، وكل خطوة كانت بتعلن انتصاره على “المنظرة الكدابة”.
الحاج جلال مسك واحد من الأظرف ورفعه قدام المعازيم كلهم:
— طول اليوم وأنا باخد هدايا مستوردة، وأظرف فلوس محطوطة عشان تتقال في الميكروفون.. لكن دي، دي الهدية الوحيدة اللي دخلت بيتي وليها ‘روح’.
الكلام نزل

زي السكاكين على قلوب الموجودين.
الحاج زكية كانت خلاص مش قادرة تقف على رجلها، بس حاولت تلم اللي باقيلها من كرامة:
— بس إزاي؟ إزاي صنايعي زيه يجمع المبالغ دي كلها؟
الحاج جلال بص لمحمود وقال له:
— قولهم يا محمود.. عرفهم الشقى بيعمل إيه.
محمود اتنهد وقال:
— أنا مكنتش شغال في المحافظة بس.. أنا قضيت سنين في شركات مقاولات في توشكى، وفي شرق العوينات، وسافرت تبع شركة مصرية في شغلانة في أفريقيا.. كنت بنام في كرفانات، وباكل لقمة ناشفة، ومبشتريش لبس ولا بركب عربيات.. كنت بحوش القرش على القرش عشان اليوم اللي أمل ترفع فيه راسها قدام الدنيا كلها.
واحد من “أنسباء” العيلة سأله بكسرة:
— وليه كنت بتظهر قدامنا إنك مش معاك حاجة؟
محمود ابتسم ابتسامة حزينة:
— عشان الاحترام ما ينفعش يتبني على “رصيد البنك”.. الاحترام بيتبني على “رصيد الأدب”.
الحاج زكية وقعت على ركبها وهي بتعيط ومنهارة:
— سامحني يا ابني.. سامحني يا محمود. أنا كنت عمية، بصيت لقميصك وعرقك وما بصيتش لقلبك ولا لأصلك.
محمود بقلبه الطيب وطى قومها من الأرض:
— مفيش حاجة يا ست الكل.. المسامح كريم.
الحاج جلال حط إيده على كتف محمود وقال بصوت سمعه البيت كله:
— اسمعوا كلكم.
. من النهاردة مفيش حد في البيت ده هيتوزن بفلوسه ولا بمنصبه. الراجل الحقيقي هو اللي معدنه أصيل، ومحمود معدنه دهب عيار 24.

مرت الشهور، وصحة الحاج جلال بدأت تتعب. وفي ليلة ممطرة، نادى على محمود وأمل في أوضته، وطلع ظرف جلد أسود.
— أنا قررت.. الأطيان والبيت الكبير والوكالة، مفيش حد هيقدر يشيل شيلتهم ويحافظ عليهم غيرك يا محمود.
محمود اتخض:
— بس يا حاج، ولادك الكبار أولى…
— ولادي الكبار بيعرفوا يصرفوا، لكن إنت بتعرف “تبني”.. اللي يصون كرامته وهو بتهان، يصون الأرض والعرض وهو في عز قوته.
وفعلاً، محمود مسك الشغل، والوكالة كبرت وبقت أهم وكالة في المنيا كلها. مغيرش لبسه البسيط، ولا ركب عربيات فارهة، فضل هو هو محمود “ابن الأصول” اللي بيبدأ يومه بصلاة الفجر وسط العمال.
وفي يوم، دخل المطبخ لقى الحاجة زكية واقفة بتغسل “الرز” بنفسها عشان تحضر الغدا. بصت له وابتسمت ابتسامة صافية وقالت له:
— تسلم إيدك يا ابني.. الرز ده علمني درس مكنتش هعرف أشتريه بكنوز الدنيا. متوفرة على روايات و اقتباسات
محمود بص لشوال الرز اللي في ركن المطبخ، وافتكر الليلة اللي غيرت كل حاجة، ورد بهدوء:
— أوقات يا حاجة.. الهدية الغالية بتبقى هي اللي “كبرياء”
البني آدم بيخليه يرفضها في الأول، بس لما بيدوق طعمها، بيعرف إنها هي اللي سترة البيت.

**تمت.**
بقلم منـي الـسـيد

تم نسخ الرابط