هذه التفاصيل للمحققين، تبادل أحد الضباط نظرةً جادة مع الآخر. قال المحقق بصوتٍ منخفض وثابت هذا هو الأمر لم يكن ما حدث حادثًا عشوائيًا، بل عملٌ مخطط وموجّه ضد زوجك. ثم أضافالمرجّح أن أحدهم وضع مادة كيميائية حارقة على جلده، إمّا بشكل مباشر، أو عبر ملابس العمل الاحتياطية. هذه حالة اعتداء واضحة. خارت قواي، واضطررتُ للتشبث بالكرسي كي أبقى واقفة. كنت أرتجف بين الخوف والغضب، وأتخيّل ما عاناه علي بصمت. بعد عدة أيام من العلاج المكثّف استقرت حالته أخيرًا. وبدأت الآفات الحمراء تتلاشى تدريجيًا، تاركةً خلفها ندوبًا باهتة. وعندما تمكن أخيرًا من التحدّث دون ألم، أمسك بيدي بقوة. أعتبر أي شيء أمرًا مفروغًا منه. لم أدع لحظة واحدة تمرّ مع عائلتي دون أن أقدّرها. كنت أظن أن الأمان يعني إغلاق الأبواب ليلًا، وتجنّب الغرباء لكنني تعلّمت أن الخطر لا يأتي دائمًا من الخارج. أحيانًا يختبئ خلف وجوهٍ مألوفة. وأحيانًا يأتي من
أشخاصٍ من المفترض أن تثق بهم. حتى الآن كلما تذكّرت تلك اللحظة في المستشفى، حين صرخ الطبيب اتصلوا بالشرطة! أشعر بالقشعريرة. لكنني أعلم أن تلك الصرخة أنقذت حياته. كثيرًا ما يلمس علي الندوب الخفيفة على ظهره الآن، ويقول بهدوء إنها تذكير بأنني اخترت الصواب، وبأنني ما زلت حيًا. ثم يضيف بابتسامةٍ خافتة ما زلنا معًا وهذا يكفي. أمسك بيده، وأبتسم رغم دموعي. أعلم أنه محق لقد نجونا معًا. لأن الحب الحقيقي لا يُختبر في الرخاء، بل يظهر في العاصفة حين يرفض كلٌّ منا التخلّي عن الآخر. لكن الحقيقة أن ما حدث لم يبدأ في المستشفى. لفهم ما مرّ به علي، يجب العودة إلى الأسابيع التي سبقت الحادثة أيامٌ لم تلمس فيها المادة السا، مة جلده بعد، لكن الخوف كان قد بدأ ينهش داخله. كان علي رجل مبادئ، بنّاءً يؤمن بأن كل لبنة يجب أن توضع بأمانة. لكن مواقع البناء ليست دائمًا أماكن للنزاهة. لم يكن رائد داود مجرد مشرف بل كان ظلًا ثقيلاً يخيّم
على الموقع منذ وصول علي. في البداية، كان الأمر خفيًا تعليقات عابرة، وإيماءات ودودة أكثر من اللازم، وأسئلة استقصائية حول وضعنا المالي. كان رائد يعلم أن لدينا فواتير يجب دفعها، وابنة صغيرة يجب تربيتها. وكان يعتقد أن الضغط المالي سيجعل علي شريكًا سهلًا في مخططه. لأسابيع، كتم علي الأمر في نفسه، رافضًا أن يُدخل كآبة عمله إلى منزلنا. كان يجلس على طاولة المطبخ كل ليلة، متظاهرًا بالهدوء بينما كان رائد قد حاصره في وقتٍ سابق قرب المولدات، وأعطاه أوراق فواتير مزوّرة. كانت معضلته لا تُحتمل إمّا أن يرفض ويُخاطر بوظيفته أو يوافق ويفقد نزاهته. لكنه لم يتخيّل أبدًا أن رفضه سيقوده إلى هذا النوع من العنف القاسي والمخطط. وكشف التحقيق لاحقًا أن رائد داود قد فعل شيئًا مشابهًا من قبل، لكنه هذه المرة استخدم أسلوبًا أكثر قسوة مستوحى من أساليب التخريب الصناعي. كانت المادة عبارة عن خليط من مذيبات صناعية وعوامل تآكل بطيئة التأثير
لا تُحدث حرقًا فوريًا، بل تتسرّب إلى الجلد تدريجيًا مع الاحتكاك. ومن خلال طلاء الجزء الداخلي من قميص العمل الاحتياطي الخاص بعلي ضمن أن كل حركة، وكل خطوة، ستدفع المادة الكيميائية إلى عمق جلده. زارنا المحقق المسؤول عن القضية، رجلٌ ذو شعرٍ رمادي يُدعى النقيب حسن، عدة مرات خلال فترة تعافي علي. أوضح لي أن البقع الحمراء التي ظننتها بيض حشرات لم تكن سوى مناطق نخرٍ كيميائي موضعي. نقاط تماسّ احتك فيها القماش الملوّث بشدة بكتفيه وعموده الفقري. لم يكن ذلك مجرد أذى بل كان تعذيبًا بطيئًا، عقابًا جسديًا يهدف إلى كسر إرادة رجلٍ لم يكن يريد سوى العمل بصدق. بينما كان علي يكابد الألم في المستشفى كنتُ أقضي لياليّ أفتّش أغراضه، أبحث عن أي دليلٍ قد يفسّر ما حدث. حتى عثرتُ، مخبّأة داخل بطانة حقيبة عمله، على نسخٍ من الفواتير المزوّرة التي طُلب منه توقيعها. كان يحتفظ بها كدليل تحسّبًا لأي طارئ. كان مستعدًا أكثر مما كنت أتصوّر.