الوجع اللي ملوش دوا ... بقلم منــال عـلـي
لما "تيتة" تفرق في اللقمة.. الوجع اللي ملوش دوا! 😮
يوم السبت بدأ هادي أوي، جو فيه كسل غريب. أحمد كان نزل من الفجر مع صحابه يروحوا "يصطادوا" في الإسكندرية، وأنا قلت أستغل الهدوء ده وأدلع نفسي شوية في البيت.. بس الظاهر الهدوء ده كان "الهدوء الذي يسبق العاصفة" بقلم منــال عـلـي
على الظهر كده، افتكرت فجأة إن "نور" نسيت "بدبد" بتاعها.. الدبدوب اللي مابتعرفش تغمض عينها من غيره. تخيلت شكلها وهي بتعيط بالليل في "بيت البلد" عند حماتي، وقلبي وجعني عليها.. قلت مش مشكلة، المسافة لبيت "الست فاطمة" مش بعيدة، نص ساعة بالعربية وأكون هناك وأوصل لها اللعبة.
الطريق كان غرقان مية من مطرة الصبح، والهوا بيطير الورق والتراب في كل حتة.. كنت حاسة بقبضة في قلبي، نغزة كده مش عارفا لها سبب، كأن في حاجة مستنياني هناك
الصدمة ورا الباب الموارب
وصلت البيت، الدنيا كانت سكتة خالص، لا صوت عيال ولا ضحك. دخلت براحة من غير ما أخبط، قلت أفاجئهم.. بس المفاجأة كانت "قلم" على وشي أنا!
سمعت أصوات جاية من المطبخ.. كنت لسه هفتح الباب وأدخل، بس وقفت مكاني لما سمعت صوت حماتي:
— "خد يا حبيبي يا عمر حتة الكفتة دي كمان.. وأنتي يا ملك كلي يا روحي، أنا عاملة الصنف ده مخصوص عشانكم أنتم وبس متوفره على روايات واقتباسات
ضحك
— "أومال نور فين يا تيتة؟ مش هتاكل معانا؟"
سكتت الست فاطمة ثانية وقالت ببرود ينشف الدم في العروق:
— "نور كلت خلاص وشبعت.."
استغربت جداً، بنتي نور "أكيلة" وبتحب اللمة، مستحيل تاكل لوحدها. بصيت من فتحة الباب الموارب.. وشفت اللي عمري ما كنت أتخيله!
عمر وملك قاعدين على السفرة، قدامهم أطباق كفتة سخنة وبطاطس محمرة وعصير، بياكلوا وبيضحكوا.. أما نور، فكانت واقفة بعيد عند الشباك، بتبص لبره وفي إيدها "مج" شاي صغير.. وفي الإيد التانية "بسكوته واحدة"!
كانت ساكتة تماماً.. وشها كان باين عليه "الكسرة" اللي تقطع القلب.
ماقدرتش أتمالك أعصابي، فتحت الباب ببطء وأنا كلي بتنفض:
— "نور.. تعالي هنا يا حبيبتي."
حماتي اتنفضت من مكانها ووشها جاب ألوان:
— "مروة؟! إيه اللي جابك من غير ما تقولي؟"
حطيت الدبدوب على السفرة بقوة وقلت لها:
— "جيت أوصل اللعبة.. والظاهر إني جيت في الوقت المناسب بالمللي.. قوليلي بقى يا حماتي، ليه الكل بياكل وجبة كاملة ونور واقفة تتفرج ومعاها بسكوتة؟"
ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت لي بمنتهى الجرأة:
— "عشان أنا مش ملزمة آكل عيال مش من دمي يا مروة!"
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة.. المطبخ كله سكت، مكنش فيه صوت غير دقات
"ماتقوليش لبابا يا ماما"
طريق الرجوع كان طويل أوي وممل.. نور قاعدة جنبي ساكتة، حاضنة الدبدوب وبتبص من شباك العربية على الشجر والجو المغيم اللي ملوش ملامح.
حاولت أتكلم، بس الكلمات كانت واقفة في زوري.. لحد ما هي اللي نطقت بصوت واطي يوجع:
— "ماما.. أرجوكي ماتقوليش لبابا، تيتة قالت لي إنه هيزعل أوي لو عرف."
بصيت لها بصدمة:
— "هي بتقولك كده كتير يا نور؟"
هزت كتافها وقالت: — "ساعات.. ولما بناكل هناك ساعات بتأكلني لوحدي وساعات بتنساني."
كلمة "بتنساني" دي كانت أصعب من أي اعتراف تاني.. دي كانت "جريمة" في حق طفلة.
صدمة "أحمد".. خذلان العمر
لما وصلنا، اتصلت بأحمد فوراً.. رجع بالليل وأول ما شاف وشي عرف إن في كارثة.
حكيت له كل حاجة.. كل حرف قالته أمه، وكل تفصيلة شفتها.
أحمد فضل ساكت شوية، وبعدين قال ببرود غريب:
— "يمكن فهمتي غلط يا مروة.. أمي مستحيل تقول كدة."
قلبي وجعني أكتر من كلامه:
— "بقولك شفتها بعيني وهي بتأكل ولادك وبتحرم بنتي! وبتقولي مش من دمي بقلم منــال عـلـي
رد عليا وهو بيبص من الشباك:
— "ما هي بيولوجياً.. فعلاً مش بنتها.."
السكوت اللي ساد في البيت وقتها كان أرعب
— "يعني أنت كمان شايفها كدة يا أحمد؟ بعد ٥ سنين بتقول كدة؟"
فجأة، نور طلعت من أوضتها، كانت واقفة حافية ببيجامتها وعينيها غرقانة دموع:
— "بابا.. هو أنت بجد شايف إني مش بنتك؟"
في اللحظة دي، عرفت إن الموضوع مش مجرد "خناقة حماة وكِنة".. دي عيلتي كلها بتتهد.
تاني يوم، أحمد قعد معايا وكان باين عليه إنه مانمش.. قال لي إنه اتكلم مع أمه وواجهها، وإنها اعترفت إنها كانت بتعمل كدة عشان "خايفة" نور تاخد مكان أحمد في قلبها أو تاخد ورث ولاده تفكير قديم ومعقد
روحنا "بيت البلد" تاني.. المرة دي بوقفة حاسمة. الست فاطمة كانت قاعدة، وشها كان مكسور لأول مرة.
قلت لها بحزم: — "نور يا ماما حفيدتك غصب عن أي حد، ولو مكنتيش هتعامليها زي عمر وملك، يبقى بيتك ده مش هندخله تاني."
نور قربت من تيتة وقالت لها: — "أنا بحبك يا تيتة ونفسي أكون معاكم بجد."
الست فاطمة هنا عيطت، ومدت إيدها لنور وقالت لها: — "سامحيني يا بنتي.. الشيطان كان شاطر."
قعدنا كلنا على سفرة واحدة.. الأكل كان سخن، والضحك رجع يملى المكان، بس كان فيه حاجة جوايا لسه خايفة.
أحمد مسك إيدي وابتسم وقال: — "كل حاجة هتبقى تمام.. إحنا عيلة واحدة."
فهمت وقتها إن العيلة مش بس "دم".. العيلة هي "حب واحتواء وأمان".. وإن الحقيقة مهما كانت